المُستَهتِرُونَ بِذكرِ آلائِكَ ، وَالمُتَواضِعُونَ دُونَ عَظَمَتِكَ وَجَلال كِبرِيائِكَ
شرح
ذواتهم من معرفته التامّة وكمال المحبّة له سبحانه دائمة ثابتة لا تنقطع لأنّ انقطاع الرغبة في الشيء إنّما هو بانقطاع مادّتها ، ومادّتها ، إمّا دواعي النفس وميولها وهي إنّما تنقطع باستيلاء الملال والكلال على النفس أو مطلوبها وتصوّرها لنيله وانقطاعه إمّا باليأس منه أو بنيله ، ومادّة رغبتهم فيما عنده بريّة عن القواطع إمّا من ذواتهم فلأنّ الملال والكلال عن عوارض المركّبات العنصريّة وإمّا من مطلوبهم فلأنّه كمال معرفته تعالى بعد تصوّرهم لكمال ذلك المطلوب ، وقد علمت أنّ درجات الوصول إلى معرفته تعالى غير متناهية لا جرم مدحهم بطول رغبتهم فيما لديه ليستلزم ذلك سلب انقطاع عبادتهم له عزّ وجلّ .
المستهتر : بفتح العين المولع بالشيء لا يتحدّث بغيره ولا يفعل غيره ، وفي الحديث سبق المفرّدون . قالوا : وما المفرّدون قال : المستهترون بذكر الله ( 1 ) .
وقد استهتر بكذا على ما لم يسمّ فاعله ، وفي نسخة ضبطه بكسر العين ولم ينصّ عليه أهل اللغة واشتقاقه من الهتر بالفتح وهو مزق العرض والشتم لأنّ المولع بالشيء لا يبالي بما قيل فيه وشتم له ، أو من الهتر بالضمّ وهو ذهاب العقل من مرض أو حزن .
قال الزمخشري في الفائق : استهتر فلان إذا ذهب عقله بالشيء وانصرفت هممه إليه حتّى أكثر القول فيه وأولع ( 2 ) به .
والآلاء : النعم جمع آلى وقد تقدّم الكلام عليه في الرّوضة الأولى ، وهو كناية عن دوام شكرهم له تعالى وتعداد نعمه إذا كان لكلّ منهم مرتبة معيّنة من الكمال في العلم والقدرة لا يصل إليها من دونه وكلّ من كانت نعمة الله عليه أكمل وأتمّ كان شكره أعلى وطاعته أوفى .
هامش
( 1 ) النهاية لابن الأثير : ج 5 ص 242 .
( 2 ) الفائق للزمخشري : ج 4 ص 91 .