تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
شرح
إذا دلَّت القرائن على صدقه ، ولا ينافي هذا الجزم تجويز العقل خلافه نظرا إلى إمكانه ، كما لا ينافي جزمنا بحياة زيد الذي غاب عنّا لحظة تجويز موته فجأة ، ولو اعتبرنا في العلم عدم تجويز النقيض عقلا لم يتحقّق لنا علم قطَّ بوجود شئ ممّا غاب عنّا أو حضر عندنا ، ويلزمنا الشكّ فيمن رأيناه الآن أهو الذي رأيناه قبل ، أم عدم ذلك وهذا غيره أوجده الله على شكله ؟ بل ربّما تطرّق الشكّ إلى الضروريات كما تزعمه الأشاعرة وهو سفسطة ظاهرة ، ومن يتتبّع كلام العرب ومواقع لفظ العلم في المحاورات جزم بأنّ إطلاق لفظ العلم على ما يحصل به الجزم عندهم حقيقة ، وأنّه كلَّي مقول على أفراده بالتشكيك ، وأنّ تخصيصه باليقين فقط اصطلاح حادث لأهل المنطق دون أهل اللغة ، لبناء اللغة على الظواهر دون هذه التدقيقات ، وتحقّق أنّ الظنّ لغة : هو الاعتقاد الراجح الذي لا جزم معه أصلا ، وأهل اللغة هم الأصل في تعيين الألفاظ للمعاني ، وليس هذا خاصّا بلغة العرب بل كلّ اللغات كذلك . ومن عرف الفارسيّة وتأمّل مواقع لفظ « ميدانم » الدالّ على معنى أعلم ، « وگمان دارم » الدالّ على معنى أظنّ في لغة الفرس ، ظهر له صحّة ما قلناه . والعلم بهذا المعنى قد اعتبره الأصوليّون والمتكلَّمون في إثبات كثير من قواعدهم كحجّيّة الإجماع وغيره ، وإن رابك شكّ فراجع الشرح العضدي وشرح المواقف ليظهر لك ذلك . وهذا الذي عناه القدماء بقولهم : لا يجوز العمل في الشريعة إلا بما يوجب العلم ، يدلَّك على ذلك تعريف السيّد المرتضى في الذريعة للعلم : بأنّه ما اقتضى سكون النفس ( 1 ) ، وهذا التعريف يشمل نوعي
هامش
( 1 ) الذريعة إلى أصول الشيعة : ج 1 ص 20 في حد العلم وأقسامه .