وَغَلَبَةِ الحَسَدِ .
شرح
الأخبار والآثار ما لا يكاد يحصى . غير أنّه ينبغي أن يعلم أنّ الغضب لا يجب إبطاله من الأصل ، بل ربّما يحسن تحصيله وتهيّجه لمكانه من حفظ الدمار ، وجهاد الكفّار ، والتنكّر للمنكرات ، والأخذ على يد الشهوات ، وهو بمنزلة كلب الصيد يراض ويعلَّم ويؤدّب ويقوّم ليهيج بإشارة المكلَّب واشلائه ( 1 ) إلى القنيص ( 2 ) ( 3 ) الحلال ، فكذلك أمر الغضب ، وإنّما رياضته في تأديبه حتّى ينقاد للعقل ولا يستعصي على الشرع ، بل يهيج بإشارتهما ويسكن على إرادتهما . فالواجب في الغضب هو كسر سورته وإطفاء جمرته . الغلب والغلبة بفتحين فيهما : اسم من غلب - من باب ضرب - غلبا أي : قهر .
وإضافتها إلى الحسد من باب الإضافة إلى الفاعل . أي : وأعوذ بك من أن يغلبني الحسد فأكون مغلوبا ومقهورا له ، وليس المراد بغلبته كثرته كما قد يتوهّم .
والحسد : كراهيّة نعمة الغير وتمنّي زوالها عنه .
وقيل : هو عبارة عن فرط حرص المرء على امتيازه في جميع المقتنيات من أبناء جنسه ، وشدّة اهتمامه على إزالتها من غيره وجذبها إلى نفسه .
وقال الراغب : الذي ينال الإنسان بسبب خير يصل إلى غيره إذا كان على سبيل التمنّي أن يكون له مثله فهو غبطة ، وإذا كان مع ذلك سعي منه في أن يبلغ هو مثل ذلك من الخير أو ما هو فوقه فمنافسة ، وكلاهما محمودان . وإن كان مع ذلك سعي في إزالتها فهو حسد ، وهو الحرام المذموم . والحاسد التامّ : هو الخبيث
هامش
( 1 ) أشليت الكلب وغيره : إذا دعوته إليك . النهاية لابن الأثير : ج 2 ص 499 .
( 2 ) القنص : الصيد ، النهاية لابن الأثير : ج 4 ص 112 .
( 3 ) ( الف ) : القبض .