وَخِيرَتُكَ مِن خَلْقِكَ .
شرح
يقول : أمّتي أمّتي وكلّ نبي يقول : نفسي نفسي ( 1 ) ، ولأنّه هو الذي صحّح نسبة العبوديّة كما ينبغي ، فاطلق عليه اسم العبد في القرآن ، وقيّد لسائر الأنبياء .
وهو من قولهم طريق معبّد ، أي : مذلَّل بكثرة الوطء ، فسمّي به لذلَّته وانقياده .
وإنّما قرنت هذه الكلمة بكلمة التوحيد لأنّ كلمة التوحيد يعتبر فيها الإخلاص ، ولا يحصل الإخلاص إلا بسلوك مراتبه ودرجاته ، ولن يحصل ذلك إلا بمعرفة كيفيّة السلوك ، ولا تحصل تلك المعرفة إلا بالبيان النبويّ القائم بتعريف كيفيّة السلوك في درجات الإخلاص ، فكانت الشهادة والإقرار بصدق المبيّن أجلّ كلمة بعد كلمة الإخلاص ، لأنّها بمنزلة الباب لها ، فلأجل ذلك قرنت بها وصارتا كلمتين متقارنتين لا يصح انفكاك أحدهما عن الأخرى . الخيرة بكسر الخاء المعجمة وسكون الياء المثناة من تحت : اسم من الاختيار ، مثل الفدية من الافتداء ، وبكسر الخاء وفتح الياء بمعنى : الخيار وهو الاختيار .
ويقال : هي اسم من تخيّرت الشيء ، مثل الطيرة اسم من تطيّر .
ويقال : هما بمعنى واحد ، والخيرة بالكسر والسكون : ما يختار أيضا .
قال في البارع : خرت الرجل على صاحبه - من باب باع - أخير خيرا وزان عنب وخيرا وخيرة : إذا فضّلته عليه ، وهذه خيرتي بالسكون وهو ما يختار ( 2 ) انتهى .
ومحمّد رسول الله صلَّى الله عليه وآله خيرة الله من خلقه ، يروى بالكسر وبفتح الياء وسكونها ، إمّا من باب إطلاق المصدر على المفعول مبالغة ، كالرضا بمعنى المرضيّ ، أو بمعنى مختاره ، واختيار الله سبحانه له عليه السلام يعود إلى إكرامه باعداد
هامش
( 1 ) سنن الترمذي : ج 4 ص 264 .
( 2 ) المصباح المنير : ص 225 نقلا عن البارع .