تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
شرح
فهمه ، وعدم إحاطته التامّة بسلسلة الأسباب والمسبّبات والمبادي والغايات ، فانظر في كيفيّة خلقة أعضاء الإنسان حتّى تعرف عدل الله وحكمته فيها ، ثمّ انظر إلى اختلاف أحوال الخلق في الحسن والقبح والغنا والفقر والصحّة والسقم وطول العمر وقصره واللذّة والألم ، واقطع بأنّ كلّ ذلك عدل وصواب ، ثمّ انظر إلى كيفيّة خلقة العناصر وأجرام الأفلاك والكواكب ، وتقدير كلّ منها بقدر معيّن وخاصيّة معيّنة ، فكلَّها حكمة وعدل ، وانظر إلى تفاوت الخلائق في العلم والجهل والفطانة والبلادة ، واقطع بأنّ كلّ ذلك عدل وقسط ، فإنّ الإنسان بل كلّ ما سوى الله تعالى لم يخلق مستعدّا لإدراك تفاصيل كلمات الله ، فالخوض في ذلك خوض فيما لا يعنيه بل لا يسعه ، ولا ينفعه إلا العلم الإجمالي بأنّه تعالى واحد في ملكه ، وملكه لا منازع له ولا مضادّ ولا مانع لقضائه ولا رادّ ، وفي كلّ واحد من مصنوعاته ، ولكلّ شيء من أفعاله حكم ومصالح ، لا يحيط بذلك علما إلا موجده وخالقه ، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد قسطا وعدلا ، هذا هو الدين القويم والاعتقاد المستقيم ، والعدول عنه مراء ، والجدال فيه هراء ، فمن نسبه سبحانه إلى الجور في فعل من الأفعال فهو الجائر لا على غيره بل على نفسه ، إذ لا يعترف بجهله وقصوره ، ولكن ينسب ذلك إلى علام الغيوب ، العالم بالخفيّات ، والمطَّلع على الكليّات والجزئيّات ، من أزل الآزال إلى أبد الآباد . وإلى ذلك يشير قول أمير المؤمنين صلوات الله عليه : التوحيد أن لا تتوهّمه ، والعدل أن لا تتّهمه ( 1 ) .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : ص 558 رقم 470 .