شرح
الدرجة للصالحين .
الثالثة : وقوف المتّقين وورعهم .
قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله : لا يبلغ الرجل درجة المتّقين حتّى يترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس ( 1 ) .
فربّما توقّف المتّقي عن الأطعمة الشهيّة والملابس البهيّة خيفة أن تجمح ( 2 ) به النفس الأمّارة بالسوء إلى مواقعة محظور ، وربّما لا يمدّ العين إلى ما متّع به الناس لئلا تتحرّك دواعي الرغبة فيه ، على ما قال الله تعالى : ولا تمدّنّ عينيك إِلى ما متّعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا ( 3 ) .
الرابعة : الوقوف عمّا لا يراد بتناوله القوّة على الطاعة ، أو يلمّ بصاحبه بعض خواطر المعصية ، وهذه درجة الصدّيقين .
كما يحكى عن بعضهم أنّه شرب دواء وأشير عليه بالمشي ، فقال : إنّي لم أمش قط في غير طاعة ، ولا أعرف لمشيتي هذه وجها فيها .
وكان بعضهم يتجنّب شرب ماء الأنهار الكبار التي تحتفرها السلاطين .
وأطفأ بعضهم سراجا أشعله غلامه من دار ظالم .
وأمثال هذه الأفعال إنّما توجد في عشّ أنفس وفت بقول الله تعالى : قل الله ثمّ ذرهم ( 4 ) ، فرأت كلّ ما لم يكن لله حراما عليها ، فتوقّفت عنه ، وقصرت أعينها عن النظر إليه ، فكانت أوقف خلق الله عمّا حذّر من منهيّاته ، وأبعدهم عن
هامش
( 1 ) سنن ابن ماجة : ج 2 ص 1409 ح 4215 مع اختلاف يسير في العبارة .
( 2 ) جمع الفرس براكبه : استعصى حتى غلبه . ( المصباح المنير : ص 147 ) .
( 3 ) سورة طه : الآية 131 .
( 4 ) سورة الأنعام : الآية 91 .