شرح
فرحان بالحقّ وبكلّ شيء ، فإنّه يرى فيه لطف الحقّ .
ومن خصائصها : أنّ الذكر لا يكون عن نسيان ، والرؤية لا تكون عن عيان ، فلا يكون في نفسه موضع إلا وهو معمور به متهالك عليه ، ولا من قلبه موقع إلا وهو موشّىً بذكره مطرّزا باسمه ، وأنشدوا :
لا لأنّي أنساك أكثر ذكراك * ولكن بذاك يجري لساني
أنت في القلب والجوانح والنفس * وأنت الهوى وأنت الأماني
كلّ جزء منّي يراك من الوجد * بعين غنية عن عيان
فإذا غبت عن عياني أبصر * تك منّي بعين كلّ مكان
كان الفضيل بن عياض يقول : إذا قيل لك : تحبّ الله ؟ فاسكت ، فان قلت : نعم ، فليس وصفك وصف المحبين فاحذر المقت ، وإن قلت : لا ، كفرت ( 1 ) .
وأمّا محبّته تعالى لعباده ، فقال بعض العارفين : هي راجعة إلى محبّته ذاته ، لأنّه تعالى ما أحبّ شيئا بالذات غير ذاته المقدّسة وإن أحبّ غيره فإنّما أحبّه بتبعيّة محبّة ذاته ، لأنّه من توابعها ، فكلّ ما هو أقرب إليه كان أحبّ عنده ، فترجع محبّته لما سواه إلى محبّته لذاته . كما يدلّ عليه ما ورد في الحديث : إنّ الله جميل يحبّ الجمال ( 2 ) .
ولهذا لمّا قرأ القاري في مجلس الشيخ أبي سعيد بن أبي الخير قوله تعالى :
يحبّهم ويحبّونه ( 3 ) ، قال : لعمري يحبّهم ويحقّ انه يحبّهم ، لأنّه إنّما يحبّ نفسه .
هامش
( 1 ) إحياء علوم الدين : ج 4 ص 332 .
( 2 ) وسائل الشيعة : ج 3 ص 340 ح 2 .
( 3 ) سورة المائدة : الآية 54 .