تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
شرح
ولا دافع . وعبّر عن ذلك بالكون في القبضة ، جريا على سنن التمثيل الذي يسمّيه أهل البيان تمثيلا تخييليّا ، أي الإيقاع في الخيال بتصوير المعاني العقلية بصور الأعيان الحسّية ، لكونها أظهر حضورا وأكثر خطورا . وهذا ما قال الحكماء : إنّ الناس للتخييل أطوع منهم للتصديق ، فأكثروا من استعمال القضايا المخيّلة في مقام الترغيب والتنفير والاستماحة والاستعطاف ونحو ذلك . وهي وإن كانت ترى بحسب الظاهر كاذبة فليست بكاذبة ، لأنّ القصد منها تشبيه تلك الحال بحال من تفرض له تلك الصورة الحسّية مثلا ، مثّل حال تسلَّطه تعالى على عباده ، وإحاطته بأمورهم ، وقدرته على التصرّف فيهم كيف يشاء ، بحال من تكون له قبضة تحتوي عليهم ويكونون فيها ، من غير أن يذهب بها إلى جهة حقيقة بالنسبة إلى الله تعالى ، كما يذهب إليه المجسّمة ، أو مجاز بأن يراد بالقبضة الملك . وإنّما المراد بالمفردات في مثل ذلك حقائقها في نفسها ، كما في قولهم : أراك تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى ، لكن لا بالنسبة إلى الممثّل له ، بل بالنسبة إلى الممثّل به ، وهو باب جليل في علم البيان ، عليه يحمل كثير من متشابهات القرآن ، كقوله تعالى : والأرضُ جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويّات بيمينه ( 1 ) ، وقوله تعالى : والسماء بنيناها بأيدٍ ( 2 ) . قال صاحب الكشّاف : إنّ ذلك تمثيل وتصوير لعظمته تعالى ، وتوقيف على كنه جلاله ، من غير ذهاب بالقبضة واليمين والأيدي إلى جهة حقيقة أو مجاز ( 3 ) .
هامش
( 1 ) سورة الزمر : الآية 67 . ( 2 ) سورة الذاريات : الآية 47 . ( 3 ) تفسير الكشاف : ج 4 ص 143 .