وَمَيّزَ بَيْنَهُما بِقدْرَتِه .
شرح
ذهاب الليل بطلوع الشمس أكثر فائدة من ذهاب النهار بدخول الليل ( 1 ) .
ماز الشيء من الشيء : من باب باع ، فرّق بينهما وفصّل ، والتثقيل مبالغة ، فيقال : ميّزه تمييزا ، وميّز بينهما ، ومنه سنّ التمييز وهي : السنّ التي إذا بلغ إليها الإنسان عرف مضارّه ومنافعه ، وميّز بينهما .
وبين : ظرف مبهم لا يبيّن معناه إلا بإضافته إلى متعدّد أو ما يقوم مقامه ، كقوله تعالى : عوان بين ذلك ( 2 ) إشارة إلى ما ذكر من الفارض والبكر ، ولذلك اختصّ بالإضافة إلى متعدّد .
قال الزنجاني : وهي بحسب ما تضاف إليه ، فإن أضيفت إلى مكان كانت ظرف مكان ، أو إلى زمان فظرف زمان ( 3 ) .
وقيل : أصلها أن تكون ظرفا للزمان ، وقيل بالعكس .
ومعنى التمييز بينهما : جعل كلّ منهما منفصلا عن الآخر بحيث لا يشتبه أحدهما بالآخر ، فجعل الليل مظلما والنهار مضيئا ، حتّى انّ انشقاق ظلمة الليل بظهور الصبح المستطير ، وهو أثر ضوء الصبح يرى كأنّه جدول ماء صاف يسيل في بحر كدر ، بحيث لا يتكدّر الصافي بالكدر ولا يختلط الكدر بالصافي . ومساق الكلام يقتضي أن يكون لخلق الليل والنهار والتمييز بينهما إلى غير ذلك ممّا سيأتي مدخل في اقتضاء الحمد ، لأنّ ترتيب الوصف على الحكم مشعر بالعلَّيّة ، كما تقرّر في الأصول ، وهو كذلك ، ووجهه ظاهر فإنّ خلق الليل والنهار والتمييز بينهما وتخصيص كلّ منهما بحدّ وأمد من المنح الجليلة ، التي لا يحيط نطاق البيان بما فيها ،
هامش
( 1 ) تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان : ج 3 في ذيل آية 73 من سورة القصص .
( 2 ) سورة البقرة : الآية 68 .
( 3 ) لم نعثر عليه .