تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
إِنّ مَن تَقِهِ يَسْلَمْ ، وَمَنْ تَهْدِهِ يَعْلَمْ ، وَمَن تُقَرِّبْهُ إِلَيكَ يَغنَم
شرح
الصفات قال : « وأعوذ برضاك من سخطك » وهما صفتان متضادّتان ، ثمّ لمّا رأى ذلك نقصانا في التوحيد اقترب وترقّى عن مشاهدة الصفات إلى ملاحظة الذات فقال : « وأعوذ بك منك » وهذا فرار إليه منه مع قطع النظر عن الأفعال والصفات فهذه ثلاث مراتب والمرتبة الثالثة هي أوّل مقام الوصول إلى ساحة العزّة ثمّ للسباحة في لجّة الوصول درجات أخر لا تتناهى ، ولذلك لمّا ازداد صلَّى الله عليه وآله قربا قال : « لا أحصى ثناء عليك » فكان ذلك حذفا لنفسه عن درجة الاعتبار في ذلك المقام ، واعترافا منه بالعجز عن الإحاطة بما له من صفات الجلال ونعوت الكمال ، وكان قوله بعد ذلك : « أنت كما أثنيت على نفسك » كمالا للإخلاص ، وتجريدا للكمال المطلق الَّذي به هو هو ، عن أن يلحقه حكم لغيره وهمّي أو عقلي ( 1 ) انتهى . فعلى هذا ليس هناك مضاف مقدّر كسخطك وعقابك ، بل هو من باب الترقّي إلى المرتبة الثالثة من المراتب الثلاث المذكورة التي هي ملاحظة الذات دون الأفعال والصفات ، والله أعلم . وقس على ذلك قوله عليه السّلام : « واحفظنا بك واهدنا إليك ولا تباعدنا عنك » فلا حاجة إلى تقدير مضاف في شيء من ذلك ، كما قيل إنّ معناه : واحفظنا بحفظك واهدنا إلى صراطك المستقيم المدلول عليه بالأوامر الشرعيّة ، ولا تباعدنا عن رحمتك ، وإن كان هذا المعنى في نفسه صحيحا ظاهرا إلا أنّ حمله على ذلك التحقيق أليق بمقام الداعي صلوات الله عليه . هذا تعليل لما قبله من طلب الوقاية والحفظ والهداية والقرب على طريقة اللفّ والنشر المرتّب ، وأدرج الحفظ في الوقاية لأنّهما بمعنى .
هامش
( 1 ) تفسير القرآن الكريم لصدر المتألهين : ج 4 ص 59 .