وَقاتَلُوا الآباءَ وَالأَبْناءَ في تَثبِيتِ نُبُوّتِهِ ، وانتَصرُوا بِهِ
شرح
ظهر على عدوّه إذا غلبه أو بارزه ، من ظهر الشيء إذا برز وبان بعد الخفاء .
وكلمته : دعوته إلى الإسلام . مصداق هذا الكلام قول أمير المؤمنين عليه السّلام من خطبة له : « ولقد كنّا مع رسول الله صلَّى الله عليه وآله نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا ، وما يزيدنا ذلك إلا إيمانا وتسليما ومضيّا على اللقم ( 1 ) وصبرا على مضض ( 2 ) الألم ، وجدّا في جهاد العدوّ ، ولقد كان الرجل منّا والآخر من عدوّنا يتصاولان ( 3 ) تصاول الفحلين يتخالسان ( 4 ) أنفسهما أيّهما يسقي صاحبه كأس المنون ، فمرّة لنا من عدوّنا ومرّة لعدوّنا منّا ، فلمّا رأى الله صدقنا أنزل بعدوّنا الكبت ( 5 ) وأنزل علينا النصر حتّى استقرّ الإسلام ملقيا جرانه ومتبوِّا أوطانه » ( 6 ) .
وقوله عليه السّلام : « وانتصروا به » من باب التكميل المسمّى بالاحتراس في علم البيان وهو أن يؤتى في كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفع ذلك الوهم ، فإنّه لو اقتصر على ما قبل هذه الجملة لأوهم أنّ انتصارهم كان بمجرّد حسن بلائهم وجدّهم في القتال ، فدفع ذلك بقوله « وانتصروا به » إيذانا بأنّ انتصارهم إنّما كان ببركته صلَّى الله عليه وآله وأنّه السّبب في نزول النصر عليهم من الله تعالى لأنّ النصر إنّما هو من عند الله ، وقد وعد الله نبيّه بالنصر فأنجز له ما وعد . فانتصارهم بسبب إيمانهم به وكونهم جندا له ، كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام : « إنّ هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة وهو دين الله الذي أظهره وجنده الذي أعدّه
هامش
( 1 ) اللقم بفتحتين : الطريق الواضح . المصباح المنير : ص 765 .
( 2 ) مضضت من الشيء مضضا : تألمت . المصباح المنير : ص 789 .
( 3 ) صال الفحل صولا : وثب . المصباح المنير : ص 481 .
( 4 ) خلست الشيء واختلسته : إذا سلبته . النهاية لابن الأثير : ج 2 ص 61 .
( 5 ) كبته : أهانه وأذله . المصباح المنير : ص 717 .
( 6 ) نهج البلاغة : خطبة 56 ص 91 .