تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 470

مساهمون:

ص٤٧٠
شرح
الفطرة قابلة لنور العلم وظلمة الجهل ، لكنّها بمزاولة الأعمال السّيئة والأفعال الشهويّة والغضبيّة صارت كالبهائم والسباع مظلمة الذوات ، ورسخت فيها الجهالات والأخلاق الحيوانيّة والدواعي السبعيّة ، فيحتاج معالجتها إلى جهد جهيد وعناء شديد حتّى يزيل عنها ظلمة الجهل ويجعلها قابلة لنور العلم ، فيفيض عليها الحقائق العلميّة والمعارف اليقينيّة ، هذا مع تفاوت مراتب الأذهان في قبول التعليم ، وتباين الفطن والأفهام في الاستعداد للتفهيم ، وفي ذلك من التعب والمشقّة ما لا خفاء به ، ألا ترى أنّ طبيب البدن يشقّ عليه علاج الأمراض الصعبة كحمى الدق والسل ، والمرض المزمن ما لا يشقّ عليه غيرها ، خصوصا إذا كثرت عليه المرضى واختلفت أمزجتهم في قبول الدواء ، فإن الأنبياء عليهم السّلام ومن يقوم مقامهم أطبّاء النفوس المبعوثون لعلاج أمراضها ، كما أنّ الحكماء أطبّاء الأبدان المخصوصون بمداواتها لغاية بقائها على صلاحها أو رجوعها إلى العافية من أمراضها . « رئي المسيح عليه السّلام خارجا من بيت فاجرة مجاهرة بالفجور فقيل ، يا روح الله ما تصنع هاهنا ؟ فقال : إنّما يأتي الطبيب المرضى » ( 1 ) . الرابع : اشتغاله حال التبليغ والدعوة بالخلق عن الحق ، والالتفات من المقام الأسنى إلى المقام الأدنى ، فإنّه - صلَّى الله عليه وآله - لمّا كان دائم التوجّه إلى الملأ الأعلى ، مستغرقا في الالتفات إليه ، مرتبطا به أشدّ الارتباط ، مقبلا عليه وكان مع ذلك منصوبا لتشريع الشريعة ، وتأسيس الملَّة ، وإرشاد الخلائق ، وإفادة الحقائق ، لم يكن له بدّ من النزول عن ذلك المقام العلوي إلى هذا العالم السفلي ، فكان يجد عند ذلك من الجهد والتعب والمشقّة والنصب ما لا مزيد عليه ، ومن هنا قال صلَّى الله عليه وآله : « إنّه ليغان على قلبي وإنّي لأستغفر الله في اليوم مائة مرّة » ( 2 ) .
هامش
( 1 ) لم نعثر عليه . ( 2 ) سنن أبي داود : ج 2 ص 84 1515 .
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 470 | السيد علي خان المدني الشيرازي / السيد محسن الحسيني الأميني