شرح
أنّه يطاع بها تسمّى دينا ، وإجهاد الرسول صلَّى الله عليه وآله نفسه في تبليغ الرسالة ، وإتعابه لها في الدعاء إلى الملَّة من وجوه :
أحدها : مقاساته للمتاعب الكثيرة والمكاره الشديدة من المشركين في بدء دعوته حتّى قال : « ما أوذي نبيّ مثل ما أوذيت » ( 1 ) .
وقال أمير المؤمنين - عليه السّلام - مشيرا إلى ذلك : « خاض إلى رضوان الله تعالى كل غمرة ، وتجرّع فيه كلّ غصّة ، وقد تلوّن له الأدنون وتألَّب عليه الأقصون ، وخلعت إليه العرب أعنّتها ، وضربت إلى محاربته بطون رواحلها ، حتّى أنزلت بساحته عداوتها من أبعد الدار وأسحق المزار » ( 2 ) .
الثاني : شدّة حرصه على رجوع الخلق إلى الحقّ ، ومبالغته في دعوتهم إليه ، وكمال الاهتمام بشأنهم وكثرة تأسّفه وتحسّره على عدم إيمانهم ، حتّى خاطبه ربّه بقوله تعالى : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألا يَكُونُوا مُؤْمِنينَ ( 3 ) أي أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة على أن لا يؤمنوا . وبقوله تعالى : فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَديثِ أَسَفا ( 4 ) شبّهه برجل فارقه أعزّته وهو يتلهّف على آثارهم ، ويهلك نفسه حسرة وتأسّفا على فراقهم وقال له : فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللهَ عَليمٌ بِما يَصْنَعُونَ ( 5 ) .
الثالث : معالجته للأمراض النفسانيّة ، وإزالته للأعراض الظلمانيّة من نفوس الجهّال وقلوب أهل الزيغ والضلال ، فانّ النفوس الجاهلة وإن كانت في أوّل
هامش
( 1 ) الجامع الصغير للسيوطي : ج 2 ، ص 144 ، مع اختلاف يسير في العبارة .
( 2 ) شرح نهج البلاغة لابن ميثم : ج 3 ص 425 الخطبة 185 .
( 3 ) سورة الشعراء : الآية 3 .
( 4 ) سورة الكهف : الآية 6 .
( 5 ) سورة فاطر : الآية 8 .