وَوالى فيكَ الأَبْعَدينَ وَعادى فيكَ الأقْرَبينَ .
شرح
أحدهما : جحود تشبيه ، إذ المشبّهون الله سبحانه بخلقه وإن اختلفوا في كيفيّة التشبيه بأسرهم جاحدون له في الحقيقة ، وذلك انّ المعنى الذي يتصوّرونه ويثبتونه إليها ليس هو نفس الإله ، مع أنّهم ينفون ما سوى ذلك فكانوا نافين للإله الحقّ في المعنى وجاحدين له .
والثاني : جحود من لم يثبت صانعا ، وكلا الفريقين جاحد له من وجه ومثبت له من وجه أمّا المشبّهون فمثبتون له صريحا ، جاحدون له لزوما ، وأمّا الآخرون فبالعكس ، إذ كانوا جاحدين له صريحا من الجهة التي يثبته العقلاء بها ومقرّون به التزاما واضطرارا ، فإنّ كل أحد إذا وقع في محنة ، واضطرّ في ضيق ، فزع من دون اختيار إلى ربّه وتضرّع إليه في النجاة والخلاص ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : وَإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إلا إيَّاهُ فَلَمَّا نَجيَّكُمْ إلَى البَرَّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الإْنْسانُ كَفُورا ( 1 ) * .
الموالاة : ضدّ المعاداة والمراد بالأبعدين والأقربين : ما هو أعمّ من البعد في النسب والقرب فيه ، فيدخل في الأبعدين : الأبعد نسبا أو سببا ، أو ولاء أو دارا ، وفي الأقربين الأقرب كذلك ، وكذا الكلام في الأدنين والأقصين في الفقرتين الأوليين ، ولا حاجه إلى تخصيص الأولين بالقرابة والآخرين بالمكان تفاديا عن التكرار ، والتأسيس خير من التأكيد ، فانّ الأفعال كافية في التأسيس ، إذ اختصاص الإقصاء والتقريب بالمكان ظاهر ، ولا داعي إلى التعميم فيهما حتّى يكونا شاملين للموالاة والمعاداة فيلزم التكرار ، وشمولها لهما لزوما لا ينافي التأسيس .
وقوله : « فيك » ( في ) في كلا الفقرتين للتعليل أي : لأجلك ، وفيه إعلام بحبّه وبغضه عليه السّلام لله تعالى ، وهما من أعظم الأعمال ، بل هما أوثق عرى الإيمان
هامش
( 1 ) سورة الإسراء : الآية 67 .