شرح
شك إنّ جزاء نعمته سبحانه أمر ليس في طاقة البشر من وجهين :
أحدهما : إنّه لمّا كان أداء حقّ النّعمة هو مقابلة الإحسان بجزاء وكانت نعمه تعالى لا تحصى كما قال : « لا يحصي نعمه العادّون » ( 1 ) بدليل قوله تعالى : وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها ( 2 ) لزم من ذلك أن لا يمكن مقابلتها بمثل .
الثاني : إنّ كلّ ما نتعاطاه من أفعالنا الاختياريّة مستندا إلى جوارحنا وقدرتنا وإرادتنا وسائر أسباب حركاتنا وهي بأسرها مستندة إلى جوده ومستفادة من نعمته ، وكذلك ما يصدر عنّا من الحمد والشّكر وسائر العبادات نعمة منه سبحانه فكيف يكون مقابلة نعمته بنعمته جزاء وتأدية لحق نعمته .
وأمّا المراد بتأدية حقّه في الدّعاء فهو القيام بتكاليفه تعالى لأنّها لمّا كانت تسمّى حقوقا سمّي القيام بها تأدية والقائم بها مؤدّيا ، وهذا الأداء في الحقيقة من أعظم نعمه تعالى على عباده إذ كان القيام بتكاليفه وسائر أسباب السلوك الموصل إلى الله تعالى كلَّها مستندة إلى جوده وعنايته وإليه الإشارة بقوله تعالى :
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَديكُمْ لِلإْيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ ( 3 ) ، وما كان في الحقيقة نعمة لله تعالى لا يكون أداء لها وجزاء لها وإن أطلق ذلك في العرف إذ كان من شأن الحقّ المفهوم المتعارف بين الخلق استلزامه وجوب الجزاء والأداء ليسارعوا إلى الإتيان به رغبة ورهبة فيحصل المقصود من التكليف حتّى لو لم يعتقدوا أنّه حق لله بل هو مجرّد نفع خالص لهم لم يهتمّوا به غاية الاهتمام إذ كانت غايته غير متصوّرة لهم كما هي ،
هامش
( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني : ج 1 ، ص 106 وفيه : [ نعماءه ] .
( 2 ) سورة إبراهيم : الآية 34 .
( 3 ) سورة الحجرات : الآية 17 .