شرح
قوله ( عليه السّلام ) : « وأثبت فينا جوارح الأعمال » أثبت الشيء في الشّيء :
جعله ثابتا فيه لا يفارقه .
والجوارح : جمع جارحة وهي أعضاء الإنسان التي يعمل بها ويكتسب ، وهي من جرح إذا عمل بيده ، تقول : بئس ما جرحت يداك أي عملتا ، ومنه جوارح الطير لأنّها تكسب بيدها .
والأعمال : جمع عمل وهو الفعل والصنع .
وفرّق الرّاغب بين الثّلاثة فقال : الفعل لفظ عام ، يقال لما كان بإجادة وبدونها ، ولما كان بعلم أو غير علم ، وقصد أو غير قصد ، ولما كان من الإنسان والحيوان والجماد .
وأمّا العمل فإنّه لا يقال إلا لما كان من الحيوان دون الجماد ، ولما كان بقصد وعلم دون ما لم يكن عن قصد وعلم .
قال بعض الأدباء : العمل مقلوب عن العلم ، فإنّ العلم فعل القلب ، والعمل فعل الجارحة وهو يبرز عن فعل القلب الذي هو العلم وينقلب عنه .
وأمّا الصّنع فإنّه يكون من الإنسان دون سائر الحيوان ، ولا يقال إلا لما كان بإجادة . ولهذا يقال للحاذق المجيد ، والحاذقة ، المجيدة ، صنع كبطل ، وصناع كسلام ، والصنع يكون بلا فكر لشرف فاعله . والفعل قد يكون بلا فكر لنقص فاعله ، والعمل لا يكون إلا بفكر لتوسّط فاعله ، فالصنع أخصّ المعاني الثّلاثة ، والفعل أعمّها ، والعمل أوسطها ، فكل صنع عمل وليس كلّ عمل صنعا ، وكلّ عمل فعل وليس كلّ فعل عملا ، وفارسيّة هذه الألفاظ تنبئ عن الفرق بينهما فانّه قيل : « للفعل » كار ، و « للعمل » كردار ، « وللصنع » كنش ( 1 ) انتهى .
هامش
( 1 ) الذريعة إلى مكارم الشريعة : ص 220 .