تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
شرح
العرب قد تبدأ بالشّيء والمقدم غيره لنكتة ما ، وإلا فالمقام يقتضي التّرقي من الأدنى إلى الأعلى كما قال تعالى : وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمواتُ وَالأَرْضُ ( 1 ) . وعلى ذلك ما يحكى إنّ رجلا غضب على غلام له فاستشفع الغلام إلى سيده إنسانا فشفّعه فأخذ الغلام يعفّر في التّراب خده ويسقي الأرض دمعه ، فقال الشّفيع : ولم ذلك كلَّه وقد عفا عنك ، فقال السيّد : إنّه يطلب الرّضا وليس ذلك إليه ، فإنّما يبكي لأجله ، أو للتنبيه على أن عفوه جلّ شأنه ليس كعفو غيره الَّذي هو عبارة عن محو الذنب فقط حتى يكون رضاه الَّذي هو عبارة عن ثوابه بعده ، بل عفوه أبلغ من رضاه لأنّ رضاه كما علمت ثوابه ، والثواب هو النفع المستحقّ . وأمّا عفوه فيتضمّن النفع من غير استحقاق لأنّه كريم العفو ، ومعنى كرم عفوه تبديل السيّئة حسنة . كما ورد في الحديث : إنّ جبرئيل ( عليه السّلام ) سمع إبراهيم خليل الرّحمن صلوات الله عليه يقول : يا كريم العفو ، فقال له : أو تدري يا إبراهيم ما كرم عفوه ؟ قال : لا يا جبرئيل ، قال : إن عفا عن السيئة كتبها حسنة ( 2 ) . ويدلّ عليه قوله تعالى : إلا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صالِحا فَأولئِكَ يُبَدَّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللهُ غَفُورا رَحيما ( 3 ) ، هذا إن فسّرنا الرّضا بالثّواب . وإن فسّرنا بإرادة الخير للعبد فيكون سبب كلّ سعادة وموجب كلّ فوز ، وبه ينال كرامته التي هي أكبر أصناف الثّواب كما قال تعالى : وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : الآية 133 . ( 2 ) ربيع الأبرار للزمخشري : النسخة المخطوطة ص 46 باب ( الجنايات والذنوب وما يتعلق بها ) . ( 3 ) سورة الفرقان : الآية 70 .