شرح
والمعرفة : العلم .
وقيل : هي إدراك البسائط والجزئيتات ، والعلم إدراك المركّبات والكلَّيات ومن ثمّ يقال عرفت الله ولا يقال علمته .
وقيل : هي عبارة عن الإدراك التصوّري ، والعلم هو الإدراك التصديقي .
ومن ذهب إلى هذا القول جعل العرفان أعظم رتبة من العلم ، قال : لأنّ تصديقنا باستناد هذه المحسوسات إلى موجود واجب الوجود أمر معلوم بالضرورة ، وأمّا تصوّر حقيقة واجب الوجود فأمر فوق الطَّاقة البشريّة لأنّ الشّيء ما لم يعرف لم تطلب ( 1 ) ماهيته فعلى هذا كلّ عارف عالم من دون عكس ، ولذلك كان الرّجل لا يسمّى عارفا إلا إذا توغَّل في بحار العلوم وميادينها وترقّى من مطالعها إلى مقاطعها ومن مباديها إلى غاياتها بحسب الطاقة البشريّة .
وقيل : هي إدراك الشّيء ثانيا بعد توسّط نسيانه فلذلك يسمّى الحقّ تعالى بالعالم دون العارف ، وهو أشهر الأقوال في تعريف المعرفة .
وعلى هذا فيحتمل أن يكون سبحانه ألهم عباده حمده أوّلا في عالم الأرواح كما ألهمهم الإقرار بربوبيّته في عالم الذّر ، ثمّ عرّفهم إيّاه ثانيا في عالم الأجسام بما أفاض عليهم من القوى الإدراكيّة أو بارسال الرّسل بناء على ما هو الحقّ من أنّ جميع المعارف والأحكام توقيفيّة لا تعرف إلا من جهة الرّسول المبعوث بتعريفها .
فان قلت : المعرفة بهذا المعنى تقتضي أن يعرف المدرك إنّ هذا الذي أدركه ثانيا هو الذي أدركه أوّلا ونحن لا نعرف ذلك ، فكيف يكون إدراكنا لحمده في هذا العالم معرفة بهذا المعنى ؟ .
قلت : أمّا التّعريف منه سبحانه فقد وقع على طبق إلهامه الأوّل .
هامش
( 1 ) ( الف ) : لم يطلب .