شرح
من حلاله ( 1 ) ، وبأنّه لو لم يكن الحرام رزقا لم يكن المتغذّي به طول عمره مرزوقا ، وقد قال الله تعالى : وَما مِنْ دابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللهِ رِزْقُها ( 2 ) .
وأجابت المعتزلة عن الحديث : بالطعن في سنده تارة ، وبالتأويل على تقدير صحّته أخرى ، بأنّ إطلاق الرزق على الحرام المشاكلة قوله : فلا أراني ارزق ، كقوله تعالى : وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ ( 3 ) .
وباب المشاكلة وإن كان نوعا من المجاز لكنّه واسع كثير الورود في القرآن والحديث ، فاش في نظم البلغاء ونثرهم . وعن قولهم : « لو لم يكن الحرام رزقا لم يكن المتغذّي به طول عمره مرزوقا » ، بأنّ مادّة النقض لا بدّ وأن تكون متحقّقة وليس كذلك ، إذ لا يتصوّر حيوان كذلك . أمّا غير الإنسان فلأنّه لا يتصوّر بالنسبة إليه حلّ ولا حرمة .
وأمّا الإنسان فلو لم يأكل من الحلال إلا مدّة عدم التكليف لكفى في دفع النقض .
وأيضا : فالرزق أعمّ من الغذاء باجماع المعتزلة وجمهور الأشاعرة ، ولا يشترط الانتفاع به بالفعل فالمتغذي طول عمره بالحرام إنّما يرد لو لم ينتفع مدّة عمره بشيء انتفاعا محلَّلا ولا يشرب الماء والتنفّس في الهواء ، بل ولا تمكّن من الانتفاع بذلك أصلا ، وظاهر إنّ هذا ممّا لا يوجد .
وللمعتزلة أن يقولوا أيضا : لو مات حيوان قبل أن يتناول شيئا حلالا ولا حراما ، يلزم أن يكون غير مرزوق فما هو جوابكم فهو جوابنا .
هامش
( 1 ) سنن ابن ماجة : ج 2 ، ص 871 - 872 مع اختلاف يسير وحذف في العبارة .
( 2 ) سورة هود : الآية 6 .
( 3 ) سورة آل عمران : الآية 54 .