وَجَعَلَ لِكُلِّ رُوحٍ مِنْهُمْ قُوتا مَعْلُومَا مَقْسُوما مِنْ رِزْقِهِ .
شرح
تدبيره ، ووجّهه لوجهته ، فلم يتعدّ حدود منزلته ولم يقصّر دون الانتهاء إلى غايته ، إذ أمره بالمضيّ على إرادته كيف وإنّما صدرت الأمور عن مشيّته » ( 1 ) * .
جعل من الأفعال العامّة تجيء على ثلاثة أوجه :
بمعنى : صار ، وطفق فلا يتعدّى كقوله :
وقد جعلت قلوص بني زياد من الأكوار مرتعها قريب ( 2 ) . وبمعنى : خلق ، وأوجد فيتعدّى إلى مفعول واحد كقوله تعالى : وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورِ ( 3 ) .
وبمعنى صيّر ، ويتعدّى إلى مفعولين كقوله تعالى : جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِراشا ( 4 ) .
إذا علمت ذلك ، فجعل في المتن : بالمعنى الثاني أي : خلق وأوجد ، والظرف متعلَّق به ، وتقديمه على المفعول للتشويق إليه ، لأنّ النفس عند تأخير ما حقّه التقديم لا سيّما بعد الاشعار بمنفعة تبقى مترقّبة فيتمكّن بها عند وروده عليها فضل تمكّن ، أو لما في المؤخّر ووصفه من نوع طول لو قدّم لفات تجاذب أطراف نظم الكلام البليغ .
ويحتمل أن يكون بالمعنى الثالث أي التصيير المتعدّي إلى مفعولين فيكون أوّلهما قوتا وثانيهما الظرف المتقدّم على ما هو مقتضى الصناعة فانّ مفعولي التصيير في الحقيقة اسم صار وخبره ، أوّلهما الأوّل ، وثانيهما الثاني ، وهما في الأصل مبتدأ وخبر والأصل : لكل روح منهم قوت ، ثم قيل : صار لكلّ روح منهم قوت ، ثمّ صيّر لكل
هامش
( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني : ج 2 ، ص 341 ، مع اختلاف يسير في العبارة .
( 2 ) مغني اللبيب : ص 310 رقم الشاهد 423 وفيه : " بني سهيل " .
( 3 ) سورة الأنعام : الآية 1 .
( 4 ) سورة البقرة : الآية 22 .