شرح
إذا عرفت ذلك فلا يتعيّن كون المراد بالمشيّة في قوله ( عليه السّلام ) : واخترعهم على مشيّته ، المشيّة بالمعنى الثاني كما وقع لبعضهم ، حيث قال : هذه المشيّة محدثة من صفات الأفعال لا من صفات الذات القديمة الَّتي لا تتعلَّق بالخلق وإنّما هي باعتبار النسبة بين ذاته تعالى والخلق ، وليست هذه الإرادة بالحقيقة إلا عين الخلق ، وعلى هذا ليست المغايرة بين المشيّة والمخلوقات ، إلا بالاعتبار انتهى ( 1 ) .
بل الأولى إن لم يكن متعيّنا ، أن يكون المراد بها المشيّة بالمعنى الأوّل لأنّ المقصود وصفه تعالى بأنّه اخترع الخلق على مقتضى مشيّته اختيارا لا بالقسر ( 2 ) ولا بالقهر ولا بالايجاب الذي لا يكون عن إرادة ومشيّة كفعل الطبائع العديمة الشعور ، والمسخّرة في أفعالها لأنّ الإيجاب ينافي القدرة .
وأيضا صدور الحادث عن القديم بطريق الإيجاب يوجب تخلَّف المعلول عن تمام علَّته حيث وجدت العلَّة في الأزل دون المعلول ، وإنّه إخترعهم على ما اقتضته مشيّته ، الَّتي هي نفس ذاته ، ووجوده من غير كثرة من تركيب صفة أو تشريك أحد ، لأنّ مشيّته كعلمه وقدرته ليست غير ذاته ليلزم أن يكون لغيره تأثير في فعله ، فانّ من فعل فعلا بمشيئة وإرادة زائدة على ذاته ، كان محتاجا في مشيّته وإرادته إلى مرجّح زائد عليه يرجّح أحد طرفي مقدوره لتعلَّق الإرادة به ، فكانت مستكملة بذلك المرجّح وكلّ مستكمل بغيره فهو ناقص في ذاته ، والله سبحانه منزّه عن النقصان .
ولا يخفى أنّ المشيّة بهذا المعنى ليست إلا الصفة القديمة الكماليّة التي هي عين الذات المقدّسة ، أي كون ، ذاته بحيث تختار ما تختار .
وأمّا المشيّة المحدثة الَّتي هي بمعنى الإيجاد والإحداث فالإختيار سابق عليها ، ولهذا قال بعض المدقّقين : إطلاق الخلق في الإرادة والمشيّة لا يصحّ إلا مجازا .
هامش
( 1 ) أي كلام البعض .
( 2 ) قسره قسرا : قهره . المصباح المنير : ص 698 .