تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
شرح
لم يسبقهم إلى تصوّرها غيرهم فيتصوّرونها ويبرزونها في الخارج ، وكيفيّة صنع الله عزّ وجلّ للخلق منزّهة عن الوقوع على هذين الوجهين : أمّا الأوّل : فلأنّه تعالى كان ولم يكن معه شيء ولا قبل له فلا يكون خلقه مسبوقا بمثال من صانع آخر صنع هو مثل صنعه . وأمّا الثاني : فلأنّ الفاعل على وفق ما الهم وإن كان مبتدعا ومخترعا في الظاهر ، لكنّه في الحقيقة ليس هو المبتدع ، وإنّما المبتدع هو مفيض تلك الصورة وملهمها ، فهو مفتقر في الحقيقة إلى الغير الَّذي ألهمه وأفاض على ذهنه صورة ما ابتدعه ظاهرا ، والله سبحانه منزّه عن الافتقار والاحتياج فلم يكن صنعه بهذا الوجه أيضا . وقوله : « بقدرته » أي بنفس قدرته التي هي عين ذاته لا بشيء آخر ، وإلا لزم اختلاف الجهتين من القوّة والفعل ، فلم يكن واحدا حقّا ، وهو محال . وأمّا سائر الصنّاع والفواعل ، فليسوا كذلك فإنّهم بشيء غير ذواتهم ، يصنعون ما يصنعون كآلة أو ملكة نفسانيّة ، أو مادّة ، أو معاون ، وربّما اجتمع عدّة من هذه الأمور في تتميم الصنعة كالإنسان مثلا إذا أنشأ كتابا فانّه يحتاج إلى آلة كاليد والقلم ، وإلى ملكة الكتابة ، وإلى مادّة كالمداد والقرطاس ، وإلى معاون يتّخذ له الآلة الخارجة ، ويصلح له مادّة الكتابة . وقوله : « على مشيّته » أي بمحض مشيّته فعلى : بمعنى الباء كقولهم : إركب على اسم الله ، أو هي بمعناها ، أي : إخترعهم على وفق مشيّته ، والمشيّة : اسم من شاء ، كالمعيشة من عاش ، وأصلها : مشيئة على مفعلة بكسر العين استثقلت الكسرة على الياء فنقلت إلى الساكن الصحيح قبلها وهو الشين ، وبقيت الياء على حالها لمجانستها الحركة المنقولة منها فصارت مشيئة ، واتّفقت النسخ هنا على ترك الهمزة وتشديد الياء وهو على إبدال الهمزة ياء تخفيفا وإدغام الياء في الياء وهو مطَّرد فيما