شرح
المخلوقات فانّ العلم فينا صفة زائدة على ذاتنا ، وكذا القدرة فينا كيفيّة نفسانيّة ، وكذلك غيرهما من الصفات ، والمراد انّ هذه المفهومات ليست صفات له تعالى ، بل صفاته ذاته ، وذاته صفاته ، لا أنّ هناك شيئا هو الذات وأشياء أخر هي الصفات ليلزم التركيب فيه ، تعالى عن ذلك علَّوا كبيرا .
وحاصله : إنّ صفاته كلَّها موجودة بوجود واحد هو بعينه وجود ذاته ، فذاته وجود ، وعلم ، وقدرة وحياة ، وإرادة وسمع ، وبصر ، وهو أيضا موجود ، عالم ، قادر ، حيّ ، مريد ، سميع ، بصير ، فاحفظ هذا المقام فانّه من مزلَّة الأقدام .
ألا ترى إنّ أكثر النّاس لمّا رأوا أنّ مفهومات الصفات متغايرة ، ظنّوا أنّ تغايرها من حيث المعنى والمفهوم يوجب اختلاف الحيثيّات الوجوديّة ، فذهبوا إلى نفي العلم والقدرة وسائر الصفات عن ذاته ، وجعلوا الذات الأحديّة خالية عن هذه النعوت الكماليّة ، لكن جعلوها نائبة مناب تلك الصفات في ترتّب الآثار ، فيلزم على ما ذهبوا إليه أن تكون الأسماء والصفات كلَّها مجازات من الألفاظ في حقّه تعالى ، وأن لا تكون ذاته مصداقا لشيء من معاني الأسماء والصفات ، وهل هذا إلا تعطيل محض .
بل الحقّ الحقيق بالتحقيق : أنّ جميع هذه الصفات موجود فيه بوجود أصيل متأكّد في غاية التأكّد ، أعلى وأشرف من وجود غيره ، فالعلم الَّذي له تعالى أعلى وأشرف أقسام العلم وجودا ، والقدرة الَّتي له أوكد أنحاء القدرة وجودا وتحقّقا لا مفهوما وماهيّة ، إذ لا تفاوت بين أفراد المعنى الواحد والماهيّة الواحدة في نفس المعنى والماهيّة ، بل إنّما التفاوت يقع بين أنحاء الموجودات بالقوّة والضعف ، والوجوب والإمكان ، والتقدّم والتأخّر .
هذا حاصل كلامه ، وهو وإن كان خلاف ما عليه الأكثرون لكنّه عند التأمّل والتحقيق أحرى بالقبول والتصديق ، والله أعلم .