تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
شرح
كما هي ، لأنّ وصف الشيء إنّما يتصوّر إذا كان مطابقا لما هو عليه في نفس الامر وذلك غير ممكن ، إلا بتعقّل ذاته وكنهه ، لكن لا يمكن العقول تعقّل حقيقته تعالى ، وما له من صفات الكمال ونعوت الجلال ، لأنّ ذلك التعقّل إمّا بحصول صورة مساوية لذاته تعالى وصفاته الحقيقيّة ، أو بحضور ذاته المقدّسة ، وشهود حقيقته . والأوّل : محال إذ لا مثل لذاته ، وكلّ ماله مثل أو صورة مساوية له فهو ذو ماهيّة كلَّيّة ، وهو تعالى لا ماهيّة له . والثاني : محال أيضا ، إذ كلّ ما سواه من العقول والنفوس والذوات والهويّات فوجوده منقهر تحت جلاله وعظمته انقهار عين الخفّاش في مشهد النور الشمسي ، فلا يمكن العقول لقصورها عن درجة الكمال الواجبي ، إدراك ذاته على وجه الاكتناه والإحاطة ، بل كلّ عقل له مقام معلوم لا يتعدّاه إلى ما فوقه ، ولهذا قال جبرئيل ( عليه السّلام ) حين تخلَّف عن رسول الله ( صلَّى الله عليه وآله ) ليلة المعراج : لو دنوت أنملة لاحترقت ( 1 ) فأنّى للعقول البشريّة الاطَّلاع على النعوت الإلهيّة ، والصفات الأحديّة كما هي عليه من كمالها وغايتها ، الَّتي لا غاية لها ، وكيف يدرك ما يتناهى كنه ما لا يتناهى . فان قيل : إذا استحال حصول الحقيقة الإلهيّة ، والهوية الأحديّة في شيء من المدارك والعقول فمن أين يعرف اتّصافه بصفاته الَّتي وصف بها نفسه في كتبه على ألسنة رسله ؟ وكيف يحكم عليه بصدق مدلولاتها ؟ فالجواب : إنّ البرهان العقلي يؤدّي بنا إلى أن نعتقد أنّ سلسلة افتقار الممكنات تنتهي إلى مبدأ موجود بذاته ، وأنّه أحديّ الذات بلا تركيب بوجه ، وكونه تامّ الحقيقة بلا نقص وقصور ، وأنّ له من كلّ ما هو كمال للموجود بما هو موجود
هامش
( 1 ) مفاتيح الغيب لصدر المتألهين : ص 162 .