شرح
ولو كان بالتلقّي الرّوحاني وبالتمثّل في الحسّ المشترك فقط من غير أن يكون في الخارج شيء على ما هو المشهور من رأي الفلاسفة لما رأى غير النبيّ ( صلى الَّله عليه وآله ) أحيانا الملك النازل بالوحي كما يروى من حديث الإيمان ، ومن حكاية السّامري على ما يدل عليه قوله تعالى : قالَ بَصَرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ( 1 ) . ولما تمثّل ما يوحى إليه في الخارج أيضا ، كما يروى في نزول التوراة المنقوشة في الألواح ، فالقول بأنّ الموحي وصورة الملك من عمل المتخيّلة بأنّ تحدّثهما في الحسّ المشترك كما هو المشهور عن الفلاسفة ، مستبعد مستنكر جدّا ، وكذا كون الكلام المعجز من عملها .
بل الحقّ إن المحدث لذلك كلَّه هو الواجب الحقّ جلّ شأنه يحدثه في الحسّ المشترك أوّلا ، ثمّ في الخارج ولا استبعاد في ذلك أصلا ، ولا يبعد أن يكون للقوّة المتخيّلة التي للنبيّ مدخل ما في هذين الاحداثين بأن تكون معدّة فقط على أنّ ظاهر قوله تعالى في سورة البقرة : قُلْ مَن كانَ عَدُوّا لِجِبْريل فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ ( 2 ) .
وقوله في الشعراء : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمينُ عَلى قَلْبِكَ ( 3 ) .
يدلّ على ما اخترناه من كيفيّة نزول الوحي ، والتّأويل خلاف الظاهر ، فما قاله بعض المفسّرين : إنّ أكثر الأمّة على أنّ القرآن نزل على محمّد ( صلَّى الله عليه وآله ) لا على قلبه ، لكن خصّ القلب بالذكر ، لأنّ السبب في تمكّنه من الأداء إثباته في قلبه ، فمعنى على قلبك : حفظك إيّاه وفهمك له .
هامش
( 1 ) سورة طه : الآية 96 .
( 2 ) سورة البقرة : الآية 97 .
( 3 ) سورة الشعراء : الآية 193 و 194 .