فأتاه جبرئيل ( عليه السّلام ) بهذه الآية : وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتي أَرَيْناكَ إِلا فِتْنَةً للنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزيدُهُمْ إِلا طُغْيانا كَبيرا يعني بني أميّة .
شرح
عليه وآله ) ليس كمنام غيره ألا ترى إلى قوله المجمع عليه من الخاصّة والعامّة : « إنّ عيني تنام وقلبي لا ينام » ( 1 ) وإنّما عبّر عن ذلك بالمنام والرؤيا لقصد التفهيم والتعليم فانّ أكثر النّاس يعجز عن إدراك الأمور العقليّة إلا بصفة الأمور الحسّيّة ، والله أعلم .
جبرئيل فيه لغات : فتح الجيم والرّاء وهمزة بعدها ، وكسر الجيم والرّاء وبعدها ياء ساكنة ، والثالثة كذلك إلا أنّ الجيم مفتوحة ، وفيه لغات أخرى قيل : هو اسم مركّب من جبر وهو العبد ، وإيل وهو اسم الله تعالى بالسريانيّة وهو المسمّى بروح القدس والمؤيّد بإلقاء الوحي إلى الأنبياء وهو الرّوح الأمين والرّسول الكريم المنعوت بقوله تعالى : إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمينٍ ( 2 ) وهو في ذاته جوهر عقليّ روحاني قدسي ما لم ينزل عن سماء تجرّده وقربه فإذا نزل عنها تمثّل وتصوّر بصورة تناسب المنزل عليه ، وهو معنى نزوله على الرّسول كما في قوله تعالى : فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرا سَوِيّا ( 3 ) أي : في أكمل صورة وأجملها وإن لم يتمثّل ويتصوّر بل كلَّم الرّسول في باطن السرّ والعقل كان كلامه وحديثه كلاما عقليّا وحديثا روحانيّا ، ولعلّ إتيانه الرّسول ( صلَّى الله عليه وآله ) بهذه الآية كان من هذا القبيل حيث قال : « فأتاه » ، ولم يقل فنزل .
هامش
( 1 ) مفاتيح الغيب : ص 36 . وصحيح البخاري : ج 5 ، ص 231 ، باب 24 ، ح 1 - ومسند أحمد بن حنبل : ج 2 ، ص 215 وص 438 .
( 2 ) سورة التكوير : الآية 19 و 20 و 21 .
( 3 ) سورة مريم : الآية 17 .