يشمل الأمر بالتجرّد عن كلّ هوىً من شأنه أن يخلّ بتقوى اللَّه حين يتّجه المرء إلى محراب العلم ملتمساً أن يفيض اللَّه عليه من نفحاته .
إنّ المتّقي للَّهفي مقام ابتغاء العلم هو ذلك الذي لا تأخذه عصبية ، ولا تسيطر عليه مذهبية ، ولا ينظر يميناً أو شمالًا دون قصده .
كنت أودّ لو أستطيع ذلك بنفسي لأُصوّر فكرة الحرّيّة المذهبية الصحيحة المستقيمة على نهج الإسلام ، والتي كان عليها الأئمّة الأعلام في تاريخنا الفقهي ، أُولئك الذين كانوا يترفّعون عن العصبية الضيّقة ، ويربأوون « 1 » بدين اللَّه وشريعته عن الجمود والخمول ، فلا يزعم أحدهم أنّه أتى بالحقّ الذي لا مرية فيه « 2 » ، وأنّ على سائر الناس أن يتبعوه ، ولكن يقول : « هذا مذهبي وما وصل إليه جهدي وعلمي ، ولست أُبيح لأحد تقليدي واتّباعي دون أن ينظر ويعلم من أين قلت ما قلت ، فإنّ الدليل إذا استقام فهو مأخذي ، والحديث إذا صحّ فهو مذهبي » .
وكنت أودّ لو كتب قصّة التقريب أحد غير أخي الإمام المصلح محمّد تقي القمّي ؛ ليستطيع أن يتحدّث عن ذلك العالم المجاهد الذي لا يتحدّث عن نفسه ، ولا عمّا لاقاه في سبيل دعوته ، وهو أوّل من دعا إلى هذه الدعوة ، وهاجر من أجلها إلى هذا البلد بلد الأزهر الشريف . . فعاش معها وإلى جوارها منذ غرسها بذرة مرجوّة على بركة اللَّه ، وظلّ يتعهّدها بالسقي والرعاية بما آتاه اللَّه من عبقريّة وإخلاص ، وعلم غزير ، وشخصية قويّة ، وصبر على الغير ، وثبات على صروف الدهر ، حتّى رآها شجرة سامقة الأُصول باسقة الفروع تؤتي أُكلها كلّ حين بإذن
هامش
( 1 ) يقال : إنّي لأربأ بك عن ذلك الأمر ، أي : أرفعك عنه ولا أرضاه لك . ( تاج العروس 1 : 237 ) .
( 2 ) أي : لا شكّ فيه . ( تهذيب اللغة 15 : 204 ) .