هامش
الكلامية والفقهية ، وهو مشروع لم يقدّر له أن يكتمل . ولعلّ ما قدّمه العلّامة اليمني علي بن إسماعيل الصنعاني في كتابه « رأب الصدع » ، والذي صدر في ثلاثة مجلّدات شرحاً وتخريجاً وتحقيقاً لأمالي الإمام أحمد بن عيسى ، لعلّ هذا الكتاب يكون إحياءً جزئياً لمشروع شلتوت - القمّي ، خاصّة وأنّ صاحب الكتاب كان العضو الزيدي في دار التقريب بين المذاهب .
ب - فتواه بجواز التعبّد بمذهب الشيعة الإمامية ، وهي فتوى كان لها صداها في العالم الإسلامي ، وقد كتب إليه بعدها الشيخ أحمد عارف الزين صاحب مجلّة « العرفان » قائلًا : « فأنا باسم علماء الشيعة جميعاً في لبنان وسوريا والعراق وإيران أمدّ يدي مصافحاً ، وأفتح قلبي وصدري داعياً ومؤيّداً ، وأعدكم أن أعمل في مجلّتي وبنفوذي الديني والدنيوي للوصول بكافّة الطرق إلى ما تصبو إليه نفسك ونفسنا من العودة بالمسلمين جميعاً إلى جوهر الدين وتعاليمه السامية ، إلى كتاب اللَّه وسنّة رسوله ، لا فرق بين سنّي وشيعي » .
فردّ على رسالته الشيخ شلتوت قائلًا : « إنّ المسلمين - يا أخي - قد استناموا في كثير من حقب تاريخهم إلى سوء حالهم الناجم عن فرقتهم وتقطيع الروابط بينهم والاستجابة إلى نداء عدوّهم الماكر المتربّص بهم ، وقد طال عليهم الأمد في ذلك حتّى ضعفوا واستكانوا وظنّوا أنّهم قد أُحيط بهم ، لولا أن قيّض اللَّه لأُمّة الإسلام في كلّ شعب قادة مصلحين ودعاة راشدين . . فكانوا يبصّرونهم بعاقبة أمرهم ، ويدعونهم إلى إصلاح ذات بينهم وإلى الوقوف صفّاً واحداً أمام أعدائهم المهاجمين لبلادهم وثقافتهم ودينهم ، وشاء اللَّه أن تنبعث فيهم جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية ، تلك الجماعة التي عرفت كيف تشخّص داء المسلمين ، وكيف تصف لهم الدواء ، فكنت - والحمد للَّه - من مؤسّسيها الأوّلين ، ووجّهت معها نداءها الأعظم المستمدّ من كتاب ربّ العالمين :« إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ »[ سورة الأنبياء 21 : 92 ] ، فاستمع إليه الشيعي والسنّي ، واستجاب له العربي والعجمي ، وتبادل العلماء في كلّ شعب رسائل العلم ورسائل الدين ، يبحثونها في ظل الأُخوّة الإسلامية التي أثبتها اللَّه في كتابه للمؤمنين ، لا يهدفون إلّاإلى الحقّ ، ولا يريدون إلّاالوصول إلى حكم اللَّه الذي هم به جميعاً مؤمنون ، لم يعد يقام للعصبية وزن ، ولا يحسب للشقاق المذهبي حساب » .
لقد كان التقريب بين المذاهب على منهج واضح هو محور فقه الشيخ وعمله ، وهو ما عبّره الشيخ محمود شلتوت بعباراته البليغة : « لقد آمنت بفكرة التقريب كمنهج قويم ، وأسهمت منذ أوّل يوم في جماعتها وفي وجوه نشاط دارها في أُمور كثيرة ، ولقد تهيّأ لي بهذه الأوجه من النشاط العلمي أن أطلّ على العالم الإسلامي من نافذة مشرقة عالية ، وأن أعرف كثيراً من الحقائق التي كانت تحول بين المسلمين واجتماع الكلمة وائتلاف القلوب على أُخوّة الإسلام ، وأن أتعرّف إلى كثير من ذوي الفكر والعلم في العالم الإسلامي ، ثمّ تهيّأ لي بعد ذلك - وقد عهد إليّ بمنصب مشيخة الأزهر - أن أصدر فتوى في جواز التعبّد على المذاهب الإسلامية الثابتة الأُصول المعروفة المصادر والمتّبعة لسبيل المؤمنين ، ومنها مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشريّة ، وهي تلك الفتوى المسجّلة بتوقيعنا في دار التقريب ، والتي كان لها ذلك الصدى البعيد في مختلف بلاد الأُمّة الإسلامية ، وقرّت بها عيون المؤمنين المخلصين الذين لا هدف لهم إلّاالحقّ والأُلفة ومصلحة الأُمّة » .
ولم يكن الشيخ شلتوت يوم إصداره الفتوى إلّامعلناً عمّا كان يمارسه منذ مارس الإفتاء . ( الإمامان البروجردي وشلتوت رائدا التقريب : 234 - 236 ) .