هامش
وقد تتبّع بعض المفسّرين غرائب الأخبار التي ليس لها سند صحيح ، وأغدقوا من شرّها على الناس وعلى القرآن ! وكان جديراً بهم أن يقيموا بينها وبين الناس سدّاً يقيهم البلبلة الفكريّة فيما يتّصل بالغيب الذي استأثر اللَّه بعلمه ، ولم ير فائدة لعباده في أن يطلعهم على شيء منه ، وإذا كان للناس بطبيعتهم ولع بسماع الغرائب وقراءتها ، فما أكثر أثرها في إلهائهم عن التفكير النافع فيما تضمّنه القرآن من آيات العقائد والأخلاق وصالح الأعمال .
والذي أُحبّ أن أُقرّره هنا بهذه المناسبة فيما أخبر اللَّه به من شؤون الغيب التي لم يتّصل بها بيان قاطع عن الرسول من الدابّة والصور ونحوهما ، هو : أنّنا نؤمن به على القدر الذي أخبر اللَّه به دون صرف اللفظ عن معناه ، ودون زيادة عمّا تضمّنه الخبر الصادق ، فنؤمن - مثلًا - بأنّه سيكون في آخر الدنيا صور ينفخ فيه ، فتكون صعقة ، ثم ينفخ فيه أُخرى فيكون البعث ، أمّا الخوض في حقيقته ومقداره ، وكيفية النفخ فيه ، أو حمله على أنّه تمثيل السرعة إفناء العالم وبعثه بسرعة النفخة المعروفة للناس ، فإنّه رجم بالغيب ، وتقوّل على اللَّه بغير حقّ » .
ويرى الشيخ أنّه ليس في القرآن ما يفيد رفع عيسى بجسمه إلى السماء ، يقول الشيخ : « ليس في القرآن الكريم ولا في السنّة المطهّرة مستند يصلح لتكوين عقيدة يطمأن إليها القلب بأنّ عيسى رفع بجسمه إلى السماء ، وأنّه سينزل منها آخر الزمان إلى الأرض ، وأنّ كلّ ما تفيده الآيات الواردة في هذا الشأن هو وعد اللَّه عيسى بأنّه متوفّيه ورافعه إليه وعاصمه من الذين كفروا ، وأنّ هذا الوعد قد تحقّق ، فلم يفعله أعداؤه ولم يصلبوه ، ولكن وفّاه اللَّه أجله ورفعه إليه » .
ثمّ قال الشيخ : « إنّ من أنكر أنّ عيسى قد رفع بجسمه إلى السماء وأنّه فيها حيّ إلى الآن وأنّه سينزل منها آخر الزمان ، فإنّه لا يكون بذلك منكراً لما ثبت بدليل قطعي ، فلا يخرج عن إسلامه وإيمانه ، ولا ينبغي أن يحكم عليه بالردّة ، بل هو مسلم مؤمن ، إذا مات فهو من المؤمنين ، يصلّى عليه كما يصلّى على المؤمنين ، ويدفن فيمقابر المؤمنين ، ولا شبهة في إيمانه عند اللَّه ، واللَّه بعباده خبير بصير » .
الفتوى تثير ضجة على الشيخ :
بعد أن نشرت هذه الفتوى من الشيخ محمود شلتوت في مجلّة « الرسالة » قامت ضجّة من بعض العلماء بردودهم على الشيخ في فتواه ، وردّ الشيخ عليهم ، وبيّن ضعف ما استندوا إليه ، ووضّح أنّ في كتب التراث رأيين في هذه القضية مبيّناً مصادره في هذه الكتب ، كما