قال العارف المتألَّه الشيرازي ( قدّس سرّه ) : الغاية في الفعل الابداعي متقدّمة عليه علماً ووجوداً ، وفي الكائنات متقدّمة عليها علماً ومتأخّرة عنها وجوداً . انتهى . وإذا كان سبحانه علَّة غائيّة لفعله و جميع الموجودات ينتهى إيجاده اليه فهو غاية الجميع ، فهو مجمع الغاية وغاية كلّ غاية ، بل هنا معنًى آخر لكونه سبحانه علَّة غائيّة لجميع الموجودات ، فانّه تعالى كما هو غاية فعله وايجاده للعالم ، كذا هو غاية أفعال سائر الموجودات وحركاتها وسكناتها . وتوضيح ذلك أنّه لا ريب في أنّ جميع الأشياء طالبة لكمالاتها متوجهة إلى الخير ومتحرّكة في تحصيل ذلك الكمال بحسب اقصى ما يتصوّر في حقّها ، فيتوجّه دائماً أخسّها إلى أشرفها ، وينتقل أدناها إلى أرفعها ، وهكذا من الأخسّ إلى الأشرف فالأشرف ، و من الأدنى إلى الأرفع ، إلى أن يصير آخر الأكوان الطبيعيّة أوّل الأكوان البقائيّة ، و آخر منازل الدنيا أوّل منازل العقبى ، فالموجودات ( 1 ) على ترتّبها منازل ومراحل إلى الله تعالى ، فلكلّ منها عشق وشوق اليه اراديّا كان أو طبيعيّاً ، ولذلك حكموا بسريان نور العشق والشوق في جميع الموجودات ، ف * ( لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها ) * * ( وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ) * . وذكروا ايضاً أنّ الفواعل طبيعيّة وغيرها لا تفعل شيئاً الَّا لما فوقها ، فإنّ القوى الأرضيّة ايضاً كالنفوس الفلكيّة في أنّ الغاية في افاعيلها هي ما فوقها ، اذ الطبائع والنفوس الأرضيّة لا يحرّك موادها لتحصيل ما تحتها عن المزاج وغيره وإن كان ذلك من الضرورات اللازمة ، بل الغاية هى كونها على أفضل ما يمكن لها ، ليحصل لها التشبيه بما فوقها ، كما في تحريك النفوس السماويّة أجرامها ، فكما أنّ تلك النفوس إنّما تحرّك تلك الأجرام لأجل إشراقات عقليّة ترد على ذواتها يتهيّج بها ويتشبّه بمبدئها العالى على الوجه الممكن ، ثمّ يلزم عنها بالتبع نفع السوافل لا على القصد الأوّل ، اذ لا التفات للعالي إلى السافل بالذات ، فحالها كما قيل : شربنا وأهرقنا إلى الأرض جرعة وللأرض عن كأس الكرام نصيبٌ
رسائل ومسائل ( فارسي ) — صفحة 240
مساهمون: ملا أحمد النراقي
ص٢٤٠
هامش
( 1 ) فللموجودات . ظ