لم يُصَرّحْ فيه بأنّ القائل الإمامُ ، وحيث ثَبت ذلك صار دليلًا قويّاً على الطهارة بغير إشكالٍ ، وثبوتُه على الوجه الذي قَرّرناه لم يَتَفَطَّنْ إليه أحد من الأصحاب قبل يومنا هذا . فللَّه الحَمدُ والمِنّةُ . واعْلَمْ أنّ بعد تحقيق صِحّته واتّصاله يُستفادُ منه فائدة جليلة من قوله : « لأنّ له مادّة » وهي جَعْلُ المادّةِ علَّةً لعدم انفعاله بدون التغيّر ، وقد تَحَقّق في الأُصولِ أنّ العِلَّةَ المنصوصة تتعدّى إلى كُلّ ما تحقّقَ فيه العلَّة ( 1 ) . وحينئذٍ فيلزم منه أنّ الماءَ النابعَ مطلقاً لا يَنْجَسُ إلا بالتغيّر لأنّ له مادّةً . فيكون حُجّةً للقولِ المشهور بين الأصحاب من عدم اعتبار الكُرّيةِ في الجاري من حيث المادّة . ويكون هذا الحديث مُخَصّصاً أو مُقَيّداً لقوله عليه السلام : « إذا بلغ الماءُ كُرّاً لم يُنَجّسْهُ شيء » ( 2 ) ، الشاملِ للجاري ، الدالّ بمفهومه على تنجيس ما دون الكُرّ . وهذه حُجّة قويّة على ذلك لم يذكُرْها أحد منهم ، وإنّما استندوا إلى أدلَّةٍ واهيةٍ لا تُثْبِتُ مطلوبَهم ، وقد نبّهْنا عليها في مواضعها ( 3 ) منها : قولهم : إنّ النصّ وَرَدَ على نَفي البأس بالبولِ في الجاري ( 4 ) ، والنهي عنه في الراكد ( 5 ) . ولا يخفىَ عليك عدم دلالة ذلك على عدم النَّجاسَةِ لوجوهٍ : أحدها : أنّ نفيَ البأسِ المرادُ به نفيُ التحريم لأنّ ذلك هو المعنى الصالحُ
رسائل الشهيد الثاني ( ط . ج ) — صفحة 85
مساهمون: الشهيد الثاني
ص٨٥
هامش
( 1 ) « معارج الأُصول » ص 185 - 186 « مَبادِئُ الوصول » ص 218 .
( 2 ) تقدّم تخريجه ص 80 ، التعليقة 7 .
( 3 ) انظر « روض الجنان » ص 146 - 147 .
( 4 ) « تهذيب الأحكام » ج 1 ، ص 43 ، ح 122 ، باب آداب الأحداث الموجبة للطهارات ، ح 61 « الاستبصار » ج 1 ، ص 13 ، ح 24 ، باب البول في الماء الجاري ، ح 4 ، واستدل به الشهيد في « ذكرى الشيعة » ج 1 ، ص 79 .
( 5 ) « الفقيه » ج 4 ، ص 2 ، ح 1 ، باب ذكر جمل من مناهي النبيّ صلَّى اللهُ عليه وآله .