وقد أجاد ثمّ أجاد بعض الأواخر ؛ حيث اهتدى إلى طريق المقاصد ، فبالغ في
التضرّع إلى الله سبحانه ، بحيث إنّ الظاهر عدم اتّفاق مثله من مثله ، فضلاً عن غيره
في زمان الغيبة ، فطوبى له ثمّ طوبى له ؛ حيث طلب حوائجه من مظانّها ، وأتى
مطالبه من وجهها .
ومن ذلك أنّه لعلّه لم يتّفق مثل ما اتّفق له لمثله في زمان الغيبة ، وقد ضبطنا
في البشارات الآياتِ الدالّةَ على أنّ التقوى توجب انتظام الدنيا . هذا هو الكلام في
الاهتمام في تحصيل العلم .
والويل الدائم والشقاء الأشقى لمن تكاسل في طريق الاجتهاد ، وأغمض عن
يوم يقوم الأشهاد ، في موقف العرض لربّ العباد ، فأكثر الافتراء والفرية على من
دانت له السماوات والأرض بالعبوديّة .
آه وا نفساه ، آه وا نفساه ، كيف باع حظَّه بالأرذل الأدنى ، وشرى آخرته بالثمن
البخس الأوكس ، وتَغَطْرَسَ وتردّى في مهوى هواه ، ولبئس المطيّة التي امتطت
نفسه من هواها ، وواهاً لها لما سوّلت لها ظنونَها ومُناها ، وتبّاً لها لجرأتها على
سيّدها ومولاها .
والعجب ممّن يلعن خلفاء الجور ، وهو ينتهج في منهجهم مع غاية دنوّه ،
بحيث إنّه ليس شرّه بالنسبة إلى شرورهم إلاّ كشرارة النار بالنسبة إلى نار الجحيم .
لا تَنْه عن خُلُق وتأتيَ مثلَه * عارٌ عليكَ إذا فعلتَ عظيمُ
وقد أجاد السيّد السند النجفي ( رحمه الله ) ؛ حيث عدّ ضرر ذلك على العوامّ أشدَّ من
ضرر الدّجال ، ولعمري إنّ غالب أهل صورة التحصيل أخصُّ خلق الله العزيز
الجليل في هذا العصر ، بل في عموم الأمصار ، بل مُشاهدتهم تُوجب الإزجار
والازدجار ، العلماءُ الأخيار والأحبار والأبرار بربّ البراري والبحار ، وخالق الليالي
والنهار .
ولو أنّي أعددت ذنوب دهري ، لضاع القِطَر فيها والرمال ، لكن ليس شيء من
الرسائل الرجالية — صفحة 622
مساهمون: محمد بن محمد ابراهيم الكلباسي
ص٦٢٢