العلوم على شرف جلّتها ورفعة مكانتها وحلّتها متفاضلة في مدى
الفخار ، متفاوتة في المزايا والآثار ، وأشرفها درايةً وروايةً ، وأفضلها
معلوماً وغايةً ، وأسدّها دليلا وحجّةً ، وأوضحها مناراً ومحجةً ،
وأعظمها للراغب منفعةً ، وأورثها للطالب رفعةً بعد علم المعرفة علم
الفقه ، الذي به يُعرَف ما كلّف به العباد ، ويفرّق بين الغيّ والرشاد ، ويميّز
بين ما ينجي ويوثق يوم التناد ، ومنه يشرح آيات كلام ربّ العالمين ،
ويوضح سنن خير المرسلين ، وآثار عترته الطاهرين ، وبه تنال السعادة
الأبديّة ، ويدرك الفوز بالحياة السرمديّة ، فمن تمسّك بالفقه الأحمدي
فله البشرى ، وهو الفاخر بنيل منتهى المطلب في الآخرة والأولى ،
والفقيه الذي فاز باستبصار كاف في تهذيب عمله ، والمهذّب الجامع
لخصال أدرك بها غاية مراده وأمله .
ولمّا كان كتاب الدروس الشرعية في الفقه الإماميّة - من تصانيف شيخنا
الأجل المحقّق والحبر المسدّد المدقّق ، أفضل المتأخّرين وأكمل
المتبحّرين ، عمدة علماء الفرقة الناجية ، بل الذي لم يظفر بمثله في
القرون الماضية ، الحائز لمرتبة السعادة ، الفائز بمنقبة الشهادة ، محمّد
بن مكّي - أعلى الله درجته كما شرف خاتمته - أحسنَ الكتب المصنّفة
تحقيقاً وتهذيباً ، وأتقن الرسائل المؤلّفة تدقيقاً وتقريباً ، وأكثرها
اشتمالا على الفروع التي تعمّ بها البلوى ، وأسدّها تنقيحاً للمسائل التي
تشتدّ الحاجة إليها ، أحببنا أن نشرحه شرحاً ، يوضح مقاصده الدقيقة ،
ويجلى مطالبه الأنيقة ، ويبيّن حقائق أنظاره ، ويظهر دقائق أفكاره ، غير
مقتصرين على حلّ الكتاب وبيان مبانيه ، ولا مكتفين بكشف الحجاب
عن عرائس معانيه ، بل أوضحنا في كلّ مسألة مقاصد من تكلّم فيها ،
وأشبعنا القول فيما يصحّ أن يقال لها أو عليها ، وأوردنا من الأدلّة ما أمكن
بلوغ الفهم إليها ، وأطلنا النظر في متن كلّ دليل وسنده ، وأجلنا الفكر في
الرسائل الرجالية — صفحة 545
مساهمون: محمد بن محمد ابراهيم الكلباسي
ص٥٤٥