للمؤمن أن لا ينخدع من النفس والشيطان من جهة ، بعد ما انخدع عنهما من هذه الجهة فإنهما يزينان للمرء كل قبيح مثل أن يطلب إلى طعام الفساق مع علمه بفسقهم يقولان له إنه مؤمن وحقوق المؤمن عظيمة منها إجابة دعوتهم ويمكنك إصلاحهم ، بل يجب عليك فلما ذهب إليهم دخل بالتكاليف في فسوقهم ، وأقل مراتبها الغيبة التي صارت زينة مجالسهم ، فلما خرج علم أن ذهابه كان من تسويل الشياطين فيجب عليه أن لا ينخدع مرة أخرى من هذه الجهة ، وكذا إذا كان يصلي النوافل في بيته فوسوسه الشيطان أنه لو صليت في المسجد أمكن أن يتابعك جماعة كثيرة ويساعده النفس الأمارة لحب الجاه والمنزلة في القلوب ، فلما ذهب علم أنه يحب الجاه ويريد أن يطلع الناس عليه ، وعلى هذا القياس .
بل يجب على المؤمن أن يجتنب مع الانخداع مرة عن جميع شعبه ولا يكون غالبا إلا بمخالفة النفس في جميع ما تدعوه إليه ولو إلى العبادة لا بأن يترك العبادة بل بأن يوقعها في الخلوة بحيث لا يطلع عليها أحد ، والحاصل أن الإنسان سخرة الشيطان ، ولا يمكن التخلص منه إلا بالاستغاثة إليه تعالى بعد المجاهدات العظيمة ، وعندها : أعاذنا الله وسائر المؤمنين من شره وشر النفس الأمارة بالسوء .
« لا يجني على المرء إلا يده » أي الغالب على العالمين أن الضرر الذي يحصل لهم من عند أنفسهم قال الله تعالى * ( ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ويَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ) * ( 1 ) والضرر الذي يحصل من المعاصي فمن نفسه كما قال صلى الله عليه وآله وسلم أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك ، والضرر الذي يحصل من الناس عليه ( إما ) لغيبتهم أو بمجالستهم أو لمحبتهم أو ترك الآداب معهم وترك التقية منهم والحاصل أن جميع المضرات من نفسه فعليك بإصلاح النفس بمخالفتها في جميع الأمور حتى تكون سالما في الدنيا والآخرة .
هامش
( 1 ) الشورى - 30