وتعاشره اعلم أن الله تبارك وتعالى أعطى الإنسان قلبا قابلا للترقيات إلى مراتب الكمالات التي لا تتناهى من المحبة والمعرفة والزهد والفناء والبقاء وهم ضيعوه بمحبة الدنيا ، والرياء ، والحسد ، والكبر والبغض وأمثالها من الرذائل وهو أمير البدن ، فلو زاوله ويكون أبدا في إصلاحه وتحصيل كمالاته أفاض الله تعالى عليه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .
ويمكن أن يكون المراد به أيضا ما قال الله تعالى * ( بَلِ الإِنْسانُ عَلى نَفْسِه بَصِيرَةٌ ولَوْ أَلْقى مَعاذِيرَه ) * ( 1 ) مثلا إذا قيل له : إنه متق فالنفس تقبل والشيطان يؤيدها بوجوه باطلة مثل أنه يزين له أنك اليوم أعلم الناس وأزهد الناس وأخلص الناس لكنه يجب على المسترشد أن ينظر إلى نفسه بعين قلبه بأنه يسر بمدح المادحين ويغتم بذم الذامين وليس ذلك إلا بالرياء المستكن فيها ولا تعلمه فإن المخلص يخاف على عمله الذي فعله بأن لا يضيع بل يغتم بمدحهم ويسر بذمهم ، وعلى هذا ، القياس في جميع الصفات .
ولو اشتغل بإصلاح نفسه لكفى به شغلا عن العالمين ولكن الغالب على العالمين الاشتغال بالدنيا الفانية ( إما ) بالمال ( أو ) بالجاه وقبول القلوب ومتى حصل ذلك لا يحتاجون إلى الإصلاح فحالهم كما قال الله تعالى * ( قُلْ : هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) * ( 2 ) لكن النفس والشيطان يوسوسانه بأن هذه الآية نزلت في شأن الكفار وأنت من المؤمنين فينبغي أن يشاور مع قلبه قولهما فإنه يقول لك : إذا كان الكفار ملومين بذلك فملامة المؤمنين به أظهر وهم ألوم .
هامش
( 1 ) القيامة 25 .
( 2 ) الكهف - 104 .