المسألة ، الطلب معلوم والوجه مجهول فلا يمكن القول بعدم الوجوب واقعا ، بل ظاهرا أيضا لأن المفتي يحكم على أن هذا حكم الله في الواقع بحسب ظنه والواقع مجهول عنده فلا يجوز أن يحكم بأن الواقع الندب بل لا يعرف الواقع وإنما يعرف مطلق الطلب وهو الرجحان المطلق .
( فإن قيل ) قد تقدم أنه لا عمل إلا بنية ، وإنما الأعمال بالنيات - ولا شك في انقسام أحكام الله بالوجوب أو الندب أو الكراهة أو الحرمة أو الإباحة والواجب يمتاز عن الندب ، فإذا لم ينو الوجوب فلم يأت بالفعل ( قلنا ) أخبار النية تدل على لزوم نية ، وظهر من أخبار أخر أنه يلزم نية القربة فإذا أتى بالفعل متقربا فقد عمل بالأخبار ، وأما امتياز الواجب عن الندب فلم يدل دليل عليه ولو سلم فنية التعيين كافية ، فإن صلاة الظهر لا تكون إلا ( واجبة - ظ ) إلا إذا أراد الإعادة فعلمه بالإعادة كاف في الامتياز .
ولهذا قال الشهيدان إنه لا يحتاج في الوضوء إلى نية الوجه لأنه إن كان مشغول الذمة بصلاة واجبة مثلا فهو واجب واقعا وإلا فهو مندوب فلا يوجد وضوء مشكوك حتى يحتاج إلى التمييز ، والنية التي هي مطلوبة هي أن يوقع الفعل لإطاعة أمره « أو » لشكره « أو » لمحبته « أو » لكونه أهلا له وأمثالها ، وهذه أمور عسرة تحتاج إلى رياضة النفس بحيث لا يكون له مقصد إلا الله تعالى ويكون نظره مقطوعا عن الجنة أو الخلاص من النار وإن كان الظاهر أن أكثر الناس لم يكلفوا بهذه النية كما تقدم الأخبار قريبا أنه عليه السلام وصف هاتين العبادتين بالعبادة لكنهما ليستا كما تنبغيان .
وأنت تشاهد أن مدار المتسمين بالعلماء ، البحث عن أمثال هذه النيات ولا يشتغلون مدة أعمارهم بإصلاحها فمرة يقولون : نحن من المخلصين ، ومرة يقولون : هذه رتبة الأنبياء والأوصياء ، وليس ذلك من دأب العلماء ، جعلهم الله وإيانا من المخلصين ولا يدعنا مع أنفسنا فإنها إمارة بالسوء إلا من رحم الله إياه .
روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه — صفحة 191
مساهمون: محمد تقي المجلسي ( الأول )
ص١٩١