سالما بكر ( 1 ) فاستكثر ، ما قل منه خير مما كثر حتى إذا ارتوى من آجن واكتنز من غير طائل جلس بين الناس قاضيا ماضيا ضامنا لتخليص ما التبس على غيره وإن خالف قاضيا سبقه ، لم يأمن أن ينقض حكمه من يأتي بعده كفعله بمن كان قبله ، وإن نزلت به إحدى المبهمات المعضلات هيأ لها حشوا من رأيه ثمَّ قطع به ، فهو من لبس الشبهات في مثل غزل العنكبوت لا يدري أصاب أم أخطأ ، لا يحسب العلم في شيء مما أنكر ، ولا يرى أن وراء ما بلغ فيه مذهبا ، إن قاس شيئا بشيء لم يكذب نظره ، وإن أظلم عليه أمره اكتتم به لما يعلم من جهل نفسه لكي لا يقال له : لا يعلم ، ثمَّ جسر فقضى فهو مفتاح عشوات ، ركاب شبهات ، خباط جهالات ، لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم ، ولا يعض في العلم بضرس قاطع فيغنم ، يذري الروايات ذر والريح الهشيم ( 2 ) تبكي منه المواريث وتصرخ منه الدماء ، يستحل بقضائه الفرج الحرام ، ويحرم بقضائه الفرج الحلال لا مليء بإصدار ما عليه ورد ، ولا هو أهل لما منه فرط من ادعائه علم الحق ( 3 )
قوله عليه السلام ( حائر ) أي متحير عن الصراط المستقيم ، وأشرب قلبه حتى دخل في شغاف قلبه ووسطه حب البدعة ( قد لهج ) وولع أو تكلم في العبادات لا ضلال العوام ( وقمش ) أي جميع ( عان ) من العناية ( والغبش الظلمة ( 4 ) ( ولم يغن ) من الغناء ( بكر ) أي أصبح ( وكان يستكثر ) من الأقوال التي قليلها خير من كثيرها أي عدمها أفضل من وجودها ( حتى صار مرتويا ) من الجهالات التي هي كالماء المتغير
هامش
( 1 ) أي خرج للطلب بكرة وهى كناية عن شدة طلبه واهتمامه في كل يوم أوفى أول العمر إلى جمع الشبهات والآراء الباطلة .
( 2 ) أي كما الريح في حمل الهشيم وتبديده لا تبالي بتمزيقه واختلال نسقه كذلك هذا الجاهل يفعل بالروايات ما تفعل الريح لهشيم - والهشيم ما يبس من النبت وتفتت .
( 3 ) أصول الكافي باب البدع والرأي والمقائيس خبر 6 من كتاب فضل العلم .
( 4 ) وعن مرآة العقول الغبش بالتحريك ظلمة آخر الليل .