تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلات في فارس — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
يتحلى بعض الفرس بكثير من العدل و الأمانة و الفضيلة و الورع ، كما عند المؤمنين في أفضل الديانات . غير أن المرء كلما تحدث إلى عدد أكثر من الناس في هذه الأمة ، كلما قل عدد من يشملهم هذا الاستثناء ، لأن العدد الحقيقي للفرس الصادقين المخلصين المهذبين ضئيل جدا . بعد ما ذكرته ، سيصعب إقناع المرء بأن الفرس في غاية الحرص على تعليم الشباب كما هو الحال في الواقع ، مع ذلك هذا صحيح . النبلاء ، أي الرجال المميزون و أطفال رعاة البيوت الموسرين ( حيث لا وجود بين الفرس للنبالة بالمعنى الصارم ) يربون تربية جيدة . يختارون في العادة ، عوض المربين ، خصية للعناية بأطفالهم ، الذين يبقونهم دوما تحت مراقبتهم الصارمة ، و يصحبونهم عند زيارتهم أقاربهم ، أو مشاهدة التمارين أو الاحتفالات المهيبة . لا يرسلون أولادهم للمدارس أو الكليات درءا للمفسدة ، بل يجلبون لهم المدرسين إلى البيوت . كما ينهون من الحديث مع الخدم كي لا يسمعوا أو يروا شيئا بذيئا . من ناحيتهم يتصرف الخدم أمامهم باحترام و تعقل . ينطبق هذا على تربية الناس العاديين لأولادهم ، إذ لا يجعلونهم يعانون من التسكع في الشوارع و الانحراف في مسارات سيئة ، بل يعلمونهم الصيد و القتال و الحيل الماكرة . يرسلونهم إلى المدارس مرتين في اليوم و عند عودتهم يبقيهم ذويهم قربهم ليعلموهم مهنهم و إتقان العمل الذي يعدون له . لا يخرج الشباب إلى الحياة العملية قبل العشرين ، إلا إذا تزوجوا ، عندئذ يملكون حريتهم و يتركون في حال سبيلهم . بالزواج أعني الاقتران بامرأة أو قرينة وفق عقد ، إذ أنهم يقدمون لهم قرينة فراش عند بلوغهم السادسة عشرة أو السابعة عشرة ، إن كانوا من العشاق . يبدون عند دخولهم العالم حكماء جيدي التربية و كرماء خجولين قليلي الكلام ، فيهم وقار و تعقل و عفاف في حياتهم و قولهم . غير أن معظمهم يسلك دروبا رديئة فيما بعد ، و ينغمسون في الترف و طلب المترلة الرفيعة و جني الدخل الكبير لإشباع رغباتهم ، فيقعون في ممارسات غير قانونية يقومون بها كل دقيقة و إن بدت مقبولة ظاهريا .