نظر الحمامي إليه صار معلوما .
والثالثة أن لا يكثر صب الماء عليه من غير حاجة ، ولا يستعمل ما يكفي رجلين وثلاثة سيما من الماء الحار ، فإنّ له مئونة . ولا يستعمل من ذلك إلَّا ما لو رآه الحمامي لم يكره ذلك منه ولم يسوءه ، وما علم أن الحمامي لو رآه يستعمله من الماء الكثير لشق عليه ذلك ، فإنه مكروه له في غيبه . والرابعة أن يتذكَّر النار بحرارة الحمام ولذع مسه وغشيان ظلمته ، لأن الحمام في الظلمة أشبه شيء بجهنم ، الحرارة من تحتك والظلمة من فوقك ، فهذا وصف جهنم نعوذ بالله منها فليتذكر بقلة صبره على الحمام وعظم كربه فيه حبسه في جهنم ، وإنه لو أقام في الحمام فضل ساعة لضعف روحه حتى يخرج خفوقا ، ويكون له في الحمام موعظة وعبرة إذا عبر أولي الأبصار . ومواعظ أهل التقوى لا تنقضي ، ولهم في كل شيء عبرة وموعظة وبكل شيء تذكرة ، لأن الله عزّ وجلّ قد أحياهم حياة طيبة ، وهذه علامة من كان له قلب ومن مقامه المزيد ، ولا بأس أن يظهر ذكر الله عزّ وجلّ بالتسمية والاستغفار ، ومكروه له قراءة القرآن إلَّا في نفسه سرّا ولا يسلم على أحد فيه بلفظ السلام .
وروينا أنّ رجلا أسلم على الحسن بن عليّ رضي الله عنهما في الحمام فقال : ليس في الحمام سلام ، فإن احتاج أن يتكلم رجل فيه فلا بأس أن يأخذ بيده استئناسا للكلام أو يقول له : عافاك الله وأدام سلامتك . ومكروه له كثرة الكلام فيه وأن يتكلم رجل بما لا يعنيه ، ولكن يقول : بسم الله ، إذا دخله ويستعيذ بالله من الرجس الخبث الشيطان الرجيم .
وإن أعطى الحمامي أجرة ليخليه له أجر على ذلك . قال بشر : ما أعنف رجلا لا يملك إلَّا درهما أنّ يعطيه لخلوة الحمامي .
وكان بشر يغطي ليخلي له الحمام ، فكان يغلقه عليه من داخل ومن خارج ، فإن وليته جاريته للإطلاء في الحمام إذا كان خاليا ستيرا فلا بأس . قال بعضهم : رأيت ابن عمر رضي الله عنهما في الحمام مستقبلا بوجهه الحائط ، وقد عصب عينيه بعصابة ومدّ يده على الحائط . وقيل لإبراهيم الحربي : تصلَّي خلف شارب النبيذ قال : نعم قيل : فتصلَّي خلف من يدخل الحمام بلا مئزر قال : لا . ويكره دخول الحمام عند الغروب وبين العشاءين ، فإن تلك الساعتين وقت انتشار الشياطين . وليعرف بدخوله نعمة الله عزّ وجلّ وتسخيره له من شاء من خلقه بالتعب منهم والكد فيه ، فهذا من لطيف إفضال الله عزّ وجلّ على المتنعمين به . ومن دخل الحمام وقام بهذه الأحكام كان دخوله أفضل لأن له فيه أعمالا كثيرة . ودخل الأعمش فرأى عريانا فغمض عينيه وجعل يتلمس الحيطان ، فقال له
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 433
مساهمون: أبي طالب المكي
ص٤٣٣