تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
تجوروا وهو أحسنها وأحبها إلي لأنه يواطئ قوله تعالى : * ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا ) * [ النساء : 3 ] ، لأن العدل ضد الجور فعطف عليه فقال : * ( ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا ) * [ النساء : 3 ] . أي تجوروا من العدل . والعرب تقول : عال يعول عولا إذا جار ، والوجه الثاني : ألَّا تعولوا تفتقروا من العيلة وهي الفقر يقال : عال يعيل عيلة وأعاله إذا افتقر ومنه قوله : * ( إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله ) * [ التوبة : 28 ] . ومع العيال الفقر لا محالة ، والوجه الثالث : تعولوا تكثر عيالكم فيكون المعنى لذلك أقرب أن لا يكثر من تعولونه ، وحذفت الهاء التي هي اسم العيال وهذا مذهب لبعض أهل الحجاز يرجع إلى قوله : عال الرجل عياله ، يعولهم مثل مانهم يمونهم ومارهم يميرهم وصانهم يصونهم ، فيكون مشتقا من لفظ العيال والأولان أجود وأشهر والله سبحانه ما افترض النكاح ولا العزبة ، كما لم يوجب الأربع من النسوة وافترض صلاح القلب وسلامة الدين وسكون النفس والدخول في الأوامر عند الحاجة إليها . فمن كان صلاحه في التزويج فهو أفضل له ، ومن كان استقامته وسكون نفسه عند الأربع فجائز له طلب السكون وصحة الحال مع القيام بالأحكام ، ومن وقعت كفايته بواحدة فالواحدة أصلح وأفضل لأنها إلى السلامة أقرب ، ومن كان صلاح حاله واستقامة قلبه وسكون نفسه في العزبة فذلك له أسلم ، والإسلام لمثله في زماننا هذا أفضل إذا لهذا يراد النكاح فإن وجد لم يضر فقده . ولعمري أنا إذا قلنا إنّ في الدين طريقين : طريق عزيمة وطريق رخصة ، فإنه في النكاح أيضا لأنه من الدين ، وفي تركه يكون لأجل الدين طريقان : طريق الأقوياء وهم أهل النكاح ، والصبر على أحكامه ، وعلى معاشرة النساء ، وطريق آخر للأقوياء بالصبر عنهن ووجود العصمة منهن والتفرّغ للآخرة وكفى بها شغلا ، وطريق آخر من وجود الوسوسة وخوف العنت لقوة الطبع وضعف الحال بوجود الاختلاط ، فيبدأ بالنكاح طلبا للاستقامة والصلاح . وقد كان الثوري رحمه الله تعالى يقول : يا حبذا العزبة والمفتاح * ومسكن تخرقه الرياح لا صخب فيه ولا صياح ولله الأمر من قبل ومن بعد والحمد لله وحده .
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 431 | أبي طالب المكي / باسل عيون السود