هذه القيود الثلاثة المتعارفة بين العقلاء هل لها مدخلية في حقيقة التكلَّم بحيث لا يصدق بدونها ، أم لا يكون لها بل ولا لشيء منها دخل في قوامه وحقيقته ؟
فنقول : لا شبهة في أنّ القيد الأخير - الذي هو عبارة عن وجود مخاطب في البين قصد إفهامه - لا مدخلية له في معنى التكلَّم ، ضرورة أنّه يصدق فيما لو حدث الإنسان نفسه وتكلَّم معها ، غاية الأمر كونه قبيحا عند العقل والعقلاء ، إلَّا أنّ ذلك لا ارتباط له بصدق معنى التكلَّم ، فهو قد يكون مع الغير وقد يكون مع النفس .
وأمّا القيد الثاني الذي مرجعه إلى استعمال اللفظ في معناه وجعله مرآة له مندكَّا فيه ، فالظاهر أنّه أيضا أجنبيّ عن الدخل في صدق معناه ، فإنّه لا فرق عند العرف في صدق التكلَّم بين اللفظ العربي الصادر عمّن يعرف لغة العرب ، وبين الصادر عن غيره ، فإنّ المتلفّظ بكلمة « ضرب » يصدق عليه أنّه تكلَّم بها ، سواء كان عارفا بمعناه أو غير عارف ، ويدلّ على ذلك صدق عنوان المتكلَّم على النائم الذي تكلَّم في أثناء النوم ، مع أنّه لم يستعمل ألفاظه في معانيها ولم يجعلها حاكية عنها كما هو واضح .
وأمّا القيد الأوّل الذي هو عبارة عن كون اللفظ موضوعا بإزاء معنى ، فالظاهر أنّه أيضا خارج عن ماهية التكلَّم وحقيقته ، فإنّه قد يتكلَّم الإنسان بالألفاظ المهملة لغرض إفادة أنّها من المهملات ، أو لغرض آخر ، ولا يخرج بذلك عن صدق عنوان المتكلَّم كما يظهر بمراجعة العرف ، ويؤيّد ذلك بل يدلّ عليه تقسيمهم الكلمة إلى المهمل والمستعمل .
فانقدح ممّا ذكرنا أنّه لا يعتبر كون اللفظ موضوعا ، فضلا عن اعتبار الاستعمال ووجود المخاطب .
نعم ، يبقى الكلام في أنّه هل يتحقق فيما إذا تلفّظ بحرف واحد أم لا ؟ فنقول : لو قلنا بأنّ الحرف الواحد الموضوع يصدق به التكلَّم ، فالظاهر حينئذ عدم الفرق بينه وبين الحرف الواحد غير الموضوع ، لما عرفت من عدم مدخلية قيد الموضوعية في
نهاية التقرير في مباحث الصلاة تقريرا لما أفاده السيد حسين الطباطبائي البروجردي — صفحة 373
مساهمون: الشيخ محمد الفاضل اللنكراني
ص٣٧٣