فلو أراد المولى تحقق مطلوبه من المكلَّف مطلقا ، ولو كان جاهلا ، لا يجوز له الاكتفاء بذلك البعث ، لما عرفت من قصوره عن التأثير بالنسبة إلى الجاهل ، بل له أن يبعث المكلَّف الجاهل بالبعث الأول ثانيا ، إمّا مطلقا أو مقيدا ببعض القيود ، مثل ما إذا أخبر به العدل مثلا فيقول : إذا أخبرك العادل بوجوب صلاة الجمعة تجب عليك ، وهذا البعث لا يمكن أن يكون مسبّبا عن مصلحة أخرى في صلاة الجمعة غير المصلحة الملزمة التي أوجبت البعث عليها مطلقا ، لما عرفت من إطلاقها لصورة الجهل أيضا ، بل لا بدّ أن يكون بلحاظ نفس تلك المصلحة .
وحينئذ فإذا صادف قوله الواقع ، يصير وجوبها بالنسبة إليه فعليّا ، وإذا خالفه يصير الحكم الثاني حكما صوريا لا يريد المولى انبعاثه منه ، فالحكم الظاهري إنما جعل لملاحظة الواقع ، ولا يكون مخالفا له ، لا من حيث الملاك ، لما عرفت من أنّ ملاكه هو ملاكه ، ولا من حيث نفس الحكمين ، لما عرفت من أنّه في صورة التطابق لا يكون هنا إلَّا إرادة واحدة ، وفي صورة التخالف لا يكون هنا إرادة أصلا .
ومن هنا يظهر الفرق بين هذه المسألة ومسألة ترتّب الضدّين المتقدمة ، فإنّه في تلك المسألة يكون التكليف بالأهم باقيا على فعليته أيضا في صورة العصيان المحقّق لموضوع الأمر بالمهم ، فإنّ المولى لم يرفع يده عن محبوبه الأول ، غاية الأمر إنّه حيث لم يؤثر بعثه في نفس العبد ، بحيث يتحقّق منه الانبعاث ، أوجب عليه محبوبه الثانوي في هذا الفرض .
وهذا بخلاف المقام ، فإنّ الحكم الواقعي إنما يكون فعليا بالنسبة إلى خصوص العالم ، والبعث قاصر عن التأثير بالنسبة إلى الجاهل أيضا ، وبعبارة أخرى موضوع المسألة الأولى هو العاصي الذي يكون التكليف بالأهم ثابتا عليه ، لأنّه لا يسقط بالعصيان ، وموضوع المقام هو الجاهل الذي يكون البعث الواقعي قاصرا
نهاية التقرير في مباحث الصلاة تقريرا لما أفاده السيد حسين الطباطبائي البروجردي — صفحة 200
مساهمون: الشيخ محمد الفاضل اللنكراني
ص٢٠٠