فالمستطيع الذي يكون عالما ومتّصفا بهذا الوصف إنما يجب عليه الحج لكونه مستطيعا ، لا لكونه مستطيعا عالما .
وبالجملة فمعنى الإطلاق بلا ريب عبارة عن كون الشيء المأخوذ متعلَّقا للحكم أو موضوعا له تامّا في ذلك ، بلا مدخلية لشيء آخر ، ومحبوبا أو مبغوضا بنفسه ، بلا ملاحظة شيء من الخصوصيات ، وليس معناه راجعا إلى ملاحظة جميع العناوين التي يمكن أن تتحد معه في الخارج موضوعا وحكما ، حتى يقال بلزوم الاقتصار من تلك العناوين على ما يمكن تصوره في هذه الرتبة .
فالعناوين الحادثة بعد تعلَّق الحكم لا يعقل أن تكون ملحوظة للأمر ، مثل عنوان العلم ، والجهل ، والإطاعة ، والعصيان ، ونحوها من الحالات المتأخّرة عن جعل الحكم ، بل الإطلاق إنما هو بالمعنى الذي عرفت .
وعليه فلا فرق بين العناوين أصلا ، فإنّ صلاة الجمعة مطلوبة مطلقا ، بمعنى أنّه لا مدخلية لشيء آخر في اتّصافها بذلك ، فمتى تحقّقت تتصف بذلك ، سواء تحقّقت من العالم بحكمها ، أو من الجاهل به ، وسواء عصاه المكلَّف ، أم أطاعه ، فإنّه في جميع هذه الصور تكون مطلوبة بما أنّها صلاة الجمعة ، لا بما أنّها صدرت من العالم مثلا . وحينئذ فالحكم الواقعي المتعلَّق بالمطلق كما أنّه ثابت بالنسبة إلى العالم ، كذلك يكون ثابتا في صورة الجهل أيضا كما عرفت ، فالإشكال لا يندفع بما أفاده السيد .
والذي ينبغي أن يقال في حلّ الاشكال بناء على ما ذكرنا في معنى الإطلاق :
أنّ البعث الصادر من المولى وإن كان مطلقا ، ولا اختصاص له بالمكلَّف العالم به ، للزوم الدور كما عرفت ، إلَّا أنّه لا ريب في قصوره من التأثير في نفس المكلَّف الجاهل ، إذ لا يعقل الانبعاث من البعث مع الجهل به ، فالإرادة الباعثة عليه لا محالة تكون مقصورة بصورة العلم بالتكليف .
نهاية التقرير في مباحث الصلاة تقريرا لما أفاده السيد حسين الطباطبائي البروجردي — صفحة 199
مساهمون: الشيخ محمد الفاضل اللنكراني
ص١٩٩