شرح
علمه القديم كان متعلّقاً بخلافة موسى عن أبيه ، فعدل المؤمنون المطيعون عمّا كانوا
يعتقدون إلى الاعتقاد بموسى ، وأقام بعضهم على الغيّ والضلال والاعتقاد بإمامة
إسماعيل .
وربما تكون هناك مصالح مهمّة أُخرى في كتمان التكوينيّات الواقعيّة ، خيراً
كانت أو شرّاً ، ولعلّ منها التحريض والحثّ على الدعاء ، والصدقة ، وصلة الرحم ،
وسائر الطاعات ؛ دفعاً لما هو قابل للمحو ، وتبديله بما هو قابل للإثبات بعد العدم ،
على ما أشار تعالى إليه بقوله سبحانه : ( يمحو الله ما يشاء ويثبت ) ( 1 ) .
ويؤيّد ذلك ما تواتر كتاباً ( 2 ) وسنّة من الأمر بالدعاء والصدقة وأمثالهما لدفع
البلايا والمكاره ( 3 ) وطلب الرزق ، وطول العمر ، وأمثالها ، كقوله تعالى : ( ادعوا
ربّكم تضرّعاً وخفية ) ( 4 ) ( أُدعوني أستجب لكم ) ( 5 ) ( فإنّي قريب أُجيب دعوة
الداع إذا دعان ) ( 6 ) ( قل ما يعبؤا بكم ربّي لولا دعاؤكم ) ( 7 ) وأمثالها .
وكذا ما تظافر في الأحاديث الكثيرة ، من أنّ الصدقة تدفع كلّ بليّة ، وميتة
السوء ، ونظائرها ( 8 ) أو أنّ الحسنة الكذائيّة تستجلب النعمة الكذائيّة ، والمعصية
الكذائيّة توجب النقمة الكذائيّة ( 9 ) .
لا يقال : إنّ المقدّر التكويني الواقعي الّذي قد تعلّق به العلم الأزلي إنّما هو
أحد الأمرين لا محالة ، وهو غير قابل للتغيير ، لاستحالة تبدّل علمه تعالى ، فما
معنى المحو والتبديل ؟ وكيف يؤثّر الدعاء والصدقة وأمثالهما في ذلك ؟
فإنّه يقال : إنّ التكوينيّات المكتومة عن الخلائق على قسمين : فقسم منها ما
هو مخزون علمه في نفسه المقدّسة ، واستأثر به لذاته العليا خاصّة فقط ، لمصالح
هامش
( 1 ) الرعد : 40 .
( 2 ) البقرة : 186 ، والمؤمن : 60 .
( 3 ) الكافي ( الكليني ) 2 : 469 باب أن الدعاء يرد البلاء والقضاء .
( 4 ) الأعراف : 55 .
( 5 ) المؤمن : 60 .
( 6 ) البقرة : 186 .
( 7 ) الفرقان : 77 .
( 8 ) الكافي ( الكليني ) 4 : 2 / 1 وص 5 باب أنّ الصدقة تدفع البلاء ، دعائم الإسلام 2 : 331 / 1252 .
( 9 ) انظر مستدرك الوسائل 12 : 87 / 13592 .