بثّ العلوم فرعها وأصلها * وكم وكم من شبهات حلّها
شرح
ولا شبهة أنّ مذهب ذلك الإمام الصادق هو بعينه مذهب آبائه الطاهرين ،
وطريقته طريقة جدّه سيّد المرسلين ، من غير فرق ولا اختلاف بينهم وبين
المعصومين ذرّيتهم في شيء من الأحكام والفتاوى والمذهب والطريقة والقضايا
وغيرها أصلا ، ولا بمقدار شعرة ، بل كلّهم نور واحد ، وكلامهم واحد ، ورأيهم واحد ،
كما أنّ الحقّ الواقعي عند الله في جميعها واحد ، والربّ واحد ، والدين واحد .
ولا يعقل في شيء منها التعدّد والزيادة إلى الاثنين ، فضلا عن الأربعة ،
خصوصاً مع كونها مبتدعة مخترعة ، وأنّ هذا الإمام الحقّ المبين ، والمبين للحقّ
اليقين من المذهب والدين ، هو الّذي فسح له الدهر نشر الفضائل ، وتعليم الفواضل ،
ومكارم الأخلاق ، ومحاسن الآداب لعامّة البرايا ، فعلّم الناس الأحكام ، و « بثّ
العلوم » بأصنافها « فرعها وأصلها » بين الأنام .
وذلك لما أشرنا إليه من اشتغال ملوك عصره من العبّاسيّين والأُمويّين
بأنفسهم ، وقيام الحروب الدامية بينهم ، والتهاؤهم بذلك عن التعرّض للإمامين
الباقرين الصادقين ، ولذلك بذل هذا الإمام الناطق بالحقّ جُهده في تعليم الناس ،
وتربيتهم ، ولقّب بينهم بشيخ الأئمّة .
والمعروف أنّه كان يحضر مجلس تدريسه وتحت منبر تعليمه أربعمائة نسمة
من فحول العلماء ( 1 ) وفيهم أبو حنيفة ، أوّل أئمّة مذاهب القوم ، ولم يزل يتلمّذ عنده
ويتعلّم لديه حتّى غلب عليه الطمع ، وحُبّ الجاه والرئاسة ، واغترّ بمواعيد بعض
ملوك المخالفين في عصره ، وانحرف عن الإمام ، وابتدع مذهباً لنفسه ، معارضاً
لمذهب الحقّ .
هامش
( 1 ) قال المفيد في الإرشاد 2 : 179 : قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات ، على اختلافهم في
الآراء والمقالات ، فكانوا أربعة آلاف رجل . وكذا قال ابن شهرآشوب في مناقبه 4 : 247 في
علمه ( عليه السلام ) .