شرح
هذا ، مضافاً إلى أنّ الرجس المنفيّ عنهم في الآية قد فسّر بلطخ الشيطان
ووسوسته ( 1 ) وذلك عامّ لجميع أنحاء حِيَله ووساوسه وخدعه ، من حيث كونه
معرّفاً باللام ، فإذهابه التكويني ذلك عنهم يدلّ صريحاً على امتناع تعرّض اللعين
لهم بشيء من مكائده أصلا ، وذلك كاف في إثبات عصمتهم ، وإن ذكر للرجس
معان أُخر أيضاً : كاللعنة ، والعذاب ، والنتن ، وقول الزور ، وعمل الغناء ، والقذر ،
والغضب ، وكلّ فعل قبيح أو حرام ، وغير ذلك ، ولكن مآل الكلّ إلى ما ذكرنا ،
ويثبت به المطلوب .
ثمّ لا يذهب عليك أنّ التلميح المذكور فيه نوع نصيحة وتأديب للأزواج
المخاطبين بآيات قبلها وبعدها ، وفيه إشارة خفيّة إلى لزوم اتباعهنّ لأُولئك
المطهّرين عن كلّ رجس وخبث ، وفيه من التنويه بفضلهم ما لا يخفى .
ثمّ لا يخفى عليك أيضاً أنّ البيت المذكور في الآية الشريفة ليس المراد منه
البيت المبنيّ بالطين والخشب ، كما صرّح به الطبرسي ، وجزم به ( 2 ) بل المراد منه :
البيت المعهود ، بشهادة " لام " العهد ، وهو بيت النبوّة والعصمة ، ومخفر الرسالة
والطهارة ، فإنّه ملجأ كلّ هارب ، ومأمن كلّ آثم خائف ، حيث إنّ العرب تسمّي كلّ
ما يُلتجأ إليه : بيتاً ، وبذلك سمّوا الأنساب : بيوتاً في قولهم بيوتات العرب ، أي :
أنسابهم ( 3 ) .
ومن ذلك قول قائلهم :
ألا يا بيت بالعلياء ( 4 ) بيت * ولولا حبّ أهلك ما أتيت
ألا يا بيت أهلك أوعدوني * كأنّي كلّ ذنبهم جنيت
والمراد منه : بيت النسب ( 5 ) .
هامش
( 1 ) انظر الكشّاف 3 : 538 وفيه : الرجس : الطهر ؛ لأنّ عرض المقترف للمقبحات يتلوّث بها
ويتدنّس ، كما يتلوّث بدنه بالأرجاس .
( 2 ) مجمع البيان : 4 : 356 .
( 3 ) انظر أقرب الموارد 1 : 69 ( بيت ) .
( 4 ) العلياء : رأس الجبل ، المكان العالي .
( 5 ) انظر لسان العرب 2 : 15 ( بيت ) .