كيف وقد مَنّ عليهم وكفى * فالامتنان يمنع التخلّفا
ومنهما بان عموم الرجس * فلا مجال لحديث النفس
شرح
ويتحصّل من كلّ ذلك ثبوت تعلّق إرادته التكوينيّة الأزليّة النافذة بطهارة
أُولئك الأطهار عن كلّ ما يخالف إرادته تعالى ، أو ينافي رضاه ، وذلك معنى
العصمة ، وأنّها بعد تعلّقها بشيء لا يعقل التخلّف عنها ، ولا سيّما في مثل المقام ،
وهو مقام بيان منّته تعالى عليهم بذلك قطعاً ، و « كيف » يمكن عدوله تعالى عن
وعده الجزمي « وقد مَنّ عليهم » بتلك الإرادة لهم ، وأخبر صريحاً بتلك العطية
والإحسان إليهم ، ووعدهم بها ؟
« وكفى » ذلك برهاناً على استحالة الخلف والرجوع في الموهبة « فالامتنان »
الثابت لهم « يمنع التخلّفا » فإنّ قبحه أوضح واضح ، وخصوصاً من الكريم بالذات
العالم بالعواقب والذوات ، وهو الغنيّ المقتدر على تنفيذ أمره وإرادته ، من غير
تصوّر مانع ولا رادع .
ثمّ إذ قد عرفت ذلك « و » ثبت لك دلالة الآية على الحصر ، ثمّ التخصيص
بهم ، انقدح لك « منهما » و « بان عموم الرجس » المنفيّ فيها لجميع الخبائث ،
والرذائل في الأفعال والصفات ، وغيرها « فلا مجال لحديث النفس » الشيطاني .
ولا موقع للمناقشات الخرافية في ذلك من الناصب الملحد ابن روزبهان
العجمي ، بأنّ المراد فيها هو الطهارة من الزنا ( 1 ) فإنّ دعوى ذلك - مضافاً إلى خلوّها
عن الشاهد والقرينة وكونها رجماً بالغيب - فاسدة جدّاً ، حيث إنّ إرادة فرد خاصّ
من المطلق المساوق للعموم مع عدم البيان إغراء قبيح يجلّ الربّ تعالى عن مثله .
ونظير ذلك في الفساد استشهاده لذلك بقوله تعالى قبل ذلك : ( فيطمع الّذي
في قلبه مرض ) ( 2 ) .
هامش
( 1 ) حكاه عنه في إحقاق الحقّ : 141 ( الحجري ) .
( 2 ) الأحزاب : 32 .