وكم هُمُ من ذينك النورين * رأوا من الآيات رأي العين
وجاء حذو النعل بالنعل يقع * في هذه الأُمّة ما قبل وقع
شرح
الكليم ( عليه السلام ) متمسّكين بالدين ، ولا مفادين لنبيّهم النفس والنفيس ، على ما تقدّم
بيان كلّ ذلك .
فإنّ أُمّة الكليم ( عليه السلام ) كم خاطروا بأنفسهم حُبّاً فيه ، وامتثالا له ، واتباعاً لشريعته
في بدو أمرهم ، وكيف كانوا منقادين له ولأخيه هارون ( عليه السلام ) « وكم هم من ذينك
النورين » النيّرين « رأوا من الآيات » الباهرات والمعجزات والكرامات « رأي
العين » ؟ حتّى أحبّوهما جدّاً ، وأطاعوهما في كلّ شيء حقّاً ، وخالفوا العدوّ القاهر
المسيطر عليهم ، وجادلوه ، ثمّ هاجروا أوطانهم تبعاً لذينك النبيّين المعظمين ،
واقتحموا البحر معهما ، واحتملوا أشدّ المكاره وأمرّ المصائب في سبيلهما ، وصبروا
على كلّ ما نالهم من فرعون وقومه : ( يذبّح أبنائهم ويستحي نسائهم ) ( 1 ) .
وبعد كلّ ذلك غووا وضلّوا على يد السامري من غير طمع فيه ، ولا خوف
ولا وجل منه ، فكيف لو غلب عليهم أحد الأمرين كما غلب على أُولئك المتعقّبين
لهم من هذه الأُمّة المقتفين آثارهم ، وهم المتلقّبون بلقب الصحابة ( ولقد صدّق
عليهم إبليس ظنّه فاتّبعوه إلاّ فريقاً من المؤمنين ) ( 2 ) .
وصدق الله تعالى ورسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فيما صحّ « وجاء » عنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مثبتاً من
السنّة المستفيضة ، أو المتواترة في كتب الفريقين : أنّ كلّ ما وقع في الأُمم السابقة
مطلقاً ، أو في أُمّة الكليم ( عليه السلام ) لابدّ مثله « حذو النعل بالنعل » والقذّة بالقذّة « يقع »
ويكون « في هذه الأُمّة » مثل « ما » كان « قبل » ذلك ونظير ما « وقع » في سالف الأيّام .
كما قال تعالى في سورة " الانشقاق " بعد الحلف والأيمان الأربعة ( لتركبنّ
طبقاً عن طبق ) على ما صحّ تفسيره عن أهل البيت ، أي : " لتسلكنّ سبيل من كان
هامش
( 1 ) القصص : 4 .
( 2 ) سبأ : 20 .
( 3 ) الانشقاق : 19 .