تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١
قضت به الفطرة والجِبِلّه * وإنّها من أمتن الأدلّه وليس للشرع سِوى الردع ولا * رادع ، بل أمضاه فيما وَصَلا ولا ينافي الجزم في الأقوال * بناؤهم في باب الامتثال
شرح
بل يمكن أن يقال : إنّ الجري على الأصل المذكور ممّا « قضت به الفطرة » العقلائيّة « والجِبِلّة » الإنسانيّة ، بل الحيوانيّة أيضاً ، فإنّ ذلك ممّا استقرّت عليها آراء العقلاء ، واستمرّت من قديم الزمن عليها سيرتهم بجميع طبقاتهم اتّباعاً لها وعملا على طبقها وقولا بحجّيتها . « و » كفى بذلك دليلا على اعتبارها ؛ ضرورة « أنّها » تكون بذلك « من أمتن الأدلّة » وأقواها ، « وليس للشرع » فيما كان كذلك يد التصرّف إثباتاً ، وإنّما له على تقدير عدم رضائه به أن يردع عنه . وعليه ، فلا يصدّنا عن الأخذ به والعمل على طبقه « سوى » صدور « الردع » منه ، « و » حيث « لا رادع » من ناحيته عن الأخذ بأصل العدم ، « بل » نراه أنّه « أمضاه » ونوّه به ، وأمر بالعمل على طبقه « فيما وصلا » إلينا من السنّة القطعيّة ، فلا محيص عن القول بكونه حجّة قويّةً ، ودليلا قويماً قد جرت عليه السيرة العقلائيّة ، ورضي به الشرع وأمضاه قولا وتقريراً . لا يقال : كيف يدّعى استمرار سيرة العقلاء على ذلك ؟ أم كيف يحكم بأنّ احتمال الارتفاع لا يصدّهم عن الأخذ والعمل به ؟ وكيف يجامع ذلك ما ذُكر آنفاً ، من أنّ الظنّ لم تنط به أُمور العقلاء ؟ حيث إنّ مقتضى عدم الإناطة هو الوقوف على موارد الجزم واليقين ، وأنّ أصل العدم غايته إفادة الظنّ ، بل إنّ كثيراً ما لا يحصل منه الظنّ أيضاً ، فكيف استمرّت عليه سيرتهم ؟ فإنّه يقال : إنّ الإشكال إنّما نشأ من الخلط بين مقام الحكم بشيء إنشاءً أو إخباراً ، وبين مقام الامتثال لما يصدر من الأحكام ، ومقام ترتيب الأثر عليها ، وإلاّ فعند التأمّل ينقدح أنّه لا تدافع بين الأمرين ، « و » أنّه « لا ينافي » اعتبار « الجزم »