قضت به الفطرة والجِبِلّه * وإنّها من أمتن الأدلّه
وليس للشرع سِوى الردع ولا * رادع ، بل أمضاه فيما وَصَلا
ولا ينافي الجزم في الأقوال * بناؤهم في باب الامتثال
شرح
بل يمكن أن يقال : إنّ الجري على الأصل المذكور ممّا « قضت به الفطرة »
العقلائيّة « والجِبِلّة » الإنسانيّة ، بل الحيوانيّة أيضاً ، فإنّ ذلك ممّا استقرّت عليها
آراء العقلاء ، واستمرّت من قديم الزمن عليها سيرتهم بجميع طبقاتهم اتّباعاً لها
وعملا على طبقها وقولا بحجّيتها .
« و » كفى بذلك دليلا على اعتبارها ؛ ضرورة « أنّها » تكون بذلك « من أمتن
الأدلّة » وأقواها ، « وليس للشرع » فيما كان كذلك يد التصرّف إثباتاً ، وإنّما له على
تقدير عدم رضائه به أن يردع عنه .
وعليه ، فلا يصدّنا عن الأخذ به والعمل على طبقه « سوى » صدور « الردع »
منه ، « و » حيث « لا رادع » من ناحيته عن الأخذ بأصل العدم ، « بل » نراه أنّه
« أمضاه » ونوّه به ، وأمر بالعمل على طبقه « فيما وصلا » إلينا من السنّة القطعيّة ،
فلا محيص عن القول بكونه حجّة قويّةً ، ودليلا قويماً قد جرت عليه السيرة
العقلائيّة ، ورضي به الشرع وأمضاه قولا وتقريراً .
لا يقال : كيف يدّعى استمرار سيرة العقلاء على ذلك ؟ أم كيف يحكم بأنّ
احتمال الارتفاع لا يصدّهم عن الأخذ والعمل به ؟ وكيف يجامع ذلك ما ذُكر آنفاً ،
من أنّ الظنّ لم تنط به أُمور العقلاء ؟ حيث إنّ مقتضى عدم الإناطة هو الوقوف على
موارد الجزم واليقين ، وأنّ أصل العدم غايته إفادة الظنّ ، بل إنّ كثيراً ما لا يحصل
منه الظنّ أيضاً ، فكيف استمرّت عليه سيرتهم ؟
فإنّه يقال : إنّ الإشكال إنّما نشأ من الخلط بين مقام الحكم بشيء إنشاءً أو
إخباراً ، وبين مقام الامتثال لما يصدر من الأحكام ، ومقام ترتيب الأثر عليها ، وإلاّ
فعند التأمّل ينقدح أنّه لا تدافع بين الأمرين ، « و » أنّه « لا ينافي » اعتبار « الجزم »