شرح
الشرع المقدّس وحرمة مخالفته .
ثمّ إنّ هناك أُصولا عمليّة تسمّى بالأدلّة الاجتهاديّة ، وهي أيضاً حجّة يجوز
العمل بها بحكم الشرع ، ولكنّه بعد إعواز أدلّة الفقاهة وحصول اليأس منها بعد
الفحص التامّ عنها ، فهي متأخّرة رتبةً عن أدلّة الفقاهة ، وأنّ الثابت بها الموجب
لثبوت العذر للمجتهد الفقيه ومقلّديه والمسقط لاحتمال العقوبة عنهم : إنّما هو
الأحكام الظاهريّة المجعولة بدلا عن تلك الأحكام الواقعيّة الأصليّة الواجب
اتّباعها عند الظفر بها .
وأمّا عند الانقطاع عنها أصلا ورأساً ، يجب اتّباع تلك الأحكام الظاهريّة
المتلقّاة عن المعصومين عليهم الصلاة والسلام ، بمقتضى الأحاديث الصحيحة
المأثورة عنهم ، الدالّة على حجّية الصغريات المأخوذة من كبرياتهم ، وعلى لزوم
اتّباع الفروع المتفرّعة على ما أسّسوه من أُصولهم بنحو قولهم ( عليهم السلام ) : " علينا أن
نلقي الأُصول وعليكم أن تفرّعوا " ( 1 ) .
ثمّ بمقتضى العلم القطعي بعدم الإهمال من الشرع المقدّس في حكم ما لم يقم
عليه أمارة كاشفة عن حكمه الواقعي . ثمّ أيضاً بمقتضى الحكم اليقيني من العقل أنّ
لله تعالى في كلّ واقعة من الوقائع إلى آخر الدهر مع عدم تناهيها حكماً خاصّاً
واقعيّاً . يجب اتّباعه ، ولا يكون الجهل به عذراً في تركه بعد جعل البدل عنه .
وعليه ، فبعد قيام تلك الأدلّة القطعيّة من العقل والشرع على حجّية تلك
الأُصول العمليّة المثبتة للأحكام الظاهريّة : لا يبقى ريبٌ ولا شبهةٌ في لزوم اتّباعها
والعمل بها ، ثمّ إنّها وإن كانت كثيرةً مختلفةً باختلاف مجاريها وتشتّت مواقعها ،
ولكنّها يجمعها ما صحّ عن المعصومين من قولهم ( عليهم السلام ) : " أبق ما كان على ما
كان " ( 2 ) " لا تنقض اليقين بالشكّ بل انقضه بيقين مثله " ( 3 ) وأمثال ذلك .
هامش
( 1 ) المستطرفات ( السرائر ) 3 : 575 ، الوسائل 27 : 61 أبواب صفات القاضي باب 6 ح 51 .
( 2 ) قاعدة مستفادة من روايات الاستصحاب .
( 3 ) التهذيب 1 : 8 / 11 ، الوسائل 1 : 245 أبواب نواقض الوضوء باب 1 ح 1 ، بتفاوت يسير .